
الله يبارك فيكي يارب _ ناولت أسماء هاتفها إلى والدها ومن ثم والدتها وشقيقتها الصغرى لكي يطمئنوا على حالة ورد ويباركون لها على خبر حملها .. ______________________________________ _ بعد غروب الشمس مباشرةً تجمع محمود برفقة شقيقاته الثلاثه وأزواجهن وكذلك أولادهن، حضر المأذون بعد وصولهم بدقائق معدودة.. _ إنضمت إليهم السيدة سنية وتعمدت الجلوس إلى جوار صباح لربما تحتاج إلى شيئ ما فتلبيه بصدر رحب
_ بدأ المأذون يلقي خُطبَة عن فضل الزواج وما عليه من حقوق وواجبات لكِلتي الطرفين، كان يصغي محمود بإهتمام واضح عكس صباح التي كانت منهمرة بين أفكارها ولا يصل إلى آذانها أي كلمة مما تُقال في الوسط _ أنهى المأذون خُطبته وكذلك جهز الأوراق اللازمة لإمضاء العروسين عليهم لكي تكتمل القسيمة، بدأ يردد المتعارف عليه في مثل تلك المناسبة ومحمود وطاهر يرددان كلماته خلفه ثم تمم على الزواج بقوله:-
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير إن شاء الله”
_ تعالت زغاريد شقيقات محمود بفرحة، فهو شقيقهم الوحيد ولابد من إظهار السعادة لتلك المناسبة الجميلة، إهتممن به كثيراً فأسبقت السيدة سنية في المباركة لصباح بسعادة بالغة، تعجبت صباح من تلك الفرحة الواضحة فهي وإبنتها لم يروا منها سوى كل سوء وفي النهاية قابلتها بود وحب لا تستحقهما.. _ إنتهي اليوم على خير بعد أخذ التهنيئات والمباركات، إستأذن الجميع في المغادرة وباتت صباح وحيدة في غرفتها تعيد ما حدث قبل قليل متسائلة في نفسها، ماذا لو كانت تسرعت؟ ماذا إن كان هذا قرار متهور ستحصد ثماره في المستقبل؟
_ ماذا لو كان محمود من فصيلة عديم النخوة ضيف ولم يتقي الله فيها؟ لكنها رأت سعادته اليوم، إستشفت رضاه التام عن زيجته منها من خلف نظراته التي لم ترفع من عليها قط _ للمرة الأولى تشعر بأنها ضائعة ولا تقدر على فعل شيئ، فقدت زمام الأمور ولم تعد تستطيع النجاح فى التحكم في أقل الأمور بساطة.. _ طردت مخاوفها من رأسها بهروبها إلى تحضير ما ستحتاجه معها فى سفرها داعية الله بأن ينظر إليها برحمته لا بتصرفاتها…
______________________________________ _ بعد مرور عدة أيام، وصلت الطائرة إلى دولة الكويت في تمام الساعة الثامنة صباحاً ومنها إلى المنزل الذي يقطن به محمود _ أوصد الباب خلفه ومازال عقله يعمل على الإستيعاب لقد حقق حلمه لطالما تأكد من عدم الوصول إليه بشتي الطرق لتدخل الظروف في حياتهم _ إستدار إليها فرأها تطالع المكان من حولها بتفحص، لم يكن يليق بمنزل عروس لكنه ليس سيئ، حمحم محمود ليجذب إنتباهها وأردف بخجل بائن:-
المكان مش من جيمتك خابر بس إن شاء الله نفرشوه على ذوجنا بعد إكده
_ قيمة!!، أهي قيمة وهناك من يخبرها بذلك؟ قهقهت صباح داخلها على تلك الداعبة التي لم تصدقها، ردت عليه بعد فترة بنبرة جامدة:-
لاه المكان زين “عشان شيفاه بعيونك”
_ أردفهم بنبرة غريبة وكأنه مُتيم في حبها، نفضت أفكارها بعيداً عن رأسها فمن أين سيحبها حباً في الله؟ _ تفاجئت بيده تحتضن أناملها ثم سار بها بقرب أريكته المستطيلة، جلس وحثها على الجلوس إلى جانبه، لم يعلم محمود بأي حديث يبدأ فالكلمات هربت منه وتخبط بين أفكاره..
_ حاول التحلي بالهدوء لكي يرتب أفكاره بعناية، مر وقت ليس بطويل بدأ حديثه بحرج:-
خابر إن الوضع غريب عليكي، يعني مسبجش لينا حديت جبل إكده وبين ليلة وضحاها بعدتي عن أهلك وناسك وبجيتي مرتي ومعايا في دار واحدة، يمكن تخافي مني وأني هكون مجدر خوفك بس رايدك تتوكدي إني لا يمكن أاذيكي واصل، أني راجل أعرف ربنا وبتجي ربنا في خلجه ما بالك باللي دج الجلب ليها؟ _ تفاجئت صباح بأخر ما تفوهه، أكان ذلك بمثابة تصريح لحبه لها؟ أم أن حاجتها إلى الإهتمام والحب من يشعروها بذلك؟
_ أمسك يدها للمرة الثانية لكن بقوة أكبر وواصل إسترساله بنبرة أشد رقة وتلهف:-
كنت كل ما أشوفك أحس بمشاعر غريبة جوي، حاجات محستش بيها جبل إكده ومكنتش خابر ديي معناتها إيه، بس كنت بفرح جوي لما أشوفك أو تجمعنا الصدفة _ نكس رأسه في خجل وتابع تحت نظراتها المذهولة عليه:-
كنت حابب اللي بحسه جدامك بس مكنش في يدي حاجة أعملها كنت ضايع ومفيهش شغلانة تسندني وكنت بفكر في السفر وفعلاً سافرت وفي المرة اللي نزلت فيها أول حد حبيت أشوفه كان أنتِ، كنت بتحجج بأي حجة عشان أجابل طاهر عنديكم في الدار يمكن ألمحك
_ رفع بصره في عينيها فاستشف الدهشة التي تشع منهما وحين لم يقابل رفض واصل ما لم ينهيه:-
لما علمت أنك إتخطبتي حسيت بنار جايدة جواتي، متحملتش لدرجة إني كنت بصلي وأدعي أن يوحصل أيتها حاجة تفشكل الجوازة ديي ويوم ما حوصل اللي حوصل حسيت إن ربنا إستجاب لدعايا ويومها اتحدتت مع طاهر جبل ما يفوت الأوان تاني _ الذهول لا غيره كان مسيطر على عقل صباح، لا تستوعب حقاً أنها مرغوبة ومِن مَن؟ من رجل!!
هناك سؤال كان يتردد في عقلها ولم تستطع إخماد فضولها بالصمت وسألته مستفسرة بخجل:-
حتى بعد اللي سمعته؟
_ أسرع في إجابته عليها بصوته الأجش:-
هتصدجي لو جولتلك مفرجش معايا، مخابرش بس كلنا بنغلط، وغلطك كان وجت وأني مش موجود في حياتك والغلط الأكبر كان على الراجل اللي المفروض كان يوفي بوعده، تعرفي إني مشايفهوش راجل من أساسه!، الوعد دين يتسدد وخصوصاً إنه راجل صعيدي والصعايدة معندهمش جلة الأصل ديي، سيبك من كل اللي فات خلينا في اللي جاي، أني طلبتك تكوني حلالي ورايد أكمل بجية عمري جارك، موافجة تكوني شريكة حياتي نعيشوها بحلوها ومُرها؟
_ هل ترك لها القرار؟ لا تعلم ما عليها فعله، للمرة الأولي تفشل في أخذ قرار جدي بهذا الشكل، دوماً
كان لديها قرارات قاطعة لكل شيئ ماذا عن الأن؟
بالتأكيد لن ترفض، في النهاية هي بحاجة إلى من تستند إليه، من يعوض الماضي، من يداوي الآلام ويضمد الأحزان وإن كان محمود ذلك الشخص فيا مرحباً به زوجا وحبيباً لها.. _ إبتلعت ريقها ثم أماءت له بقبول متمتمة:-
موافجة _ دقت أسارير محمود من فرط الحماس المتدفق في الأدرينالين خاصته، تناول يدها وطبع قُبلة رقيقة داخل كفها، رفع بصره عليها وصرح بمشاعره دون خجل:-
بحبك
______________________________________ _ صباحاً، إستقيظ طاهر على رنين هاتفه، فرك عينه وهو يتثائب بثقل، تناول الهاتف وإنتفض من مكانه بهلفة ما أن قرأ إسم المحامي المدون على شاشته _ أجابه متلهفاً لسماع ما سيخبره به:-
إيوة يا أستاذ فهمي _ قلقت مروة على نبرته المرتفعة، نهضت ووقفت إلى جواره في إنتظار معرفة هوية المتصل بفضول شديد من خلف لهفة طاهر في سرعة إجابته عليه _ إرتخت ملامح طاهر فجاءة كما أوصد عينيه وأخرج زفيراً بتمهل، أعاد فتح عينيه ثم أجاب على المحامي:-
متشكر جوي يا أستاذ فهمي
_ أنهى المكالمة ثم وجه بصره مباشرةً على مروة التي كانت تتابع تصرفاته المبهمة بغرابة، وقبل أن تسأله عن حقيقة ما يحدث فاجئها طاهر بحمله لها، تشبتث في عنقه من هول المفاجأة _ دوت ضحكاتها في الغرفة فشاركها طاهر الضحك بسعادة بالغة لا يسعها قلبه من فرطها، أنزلها فسألته بعفوية:-
ربنا يزيد من فرحك يا حبيبي بس إيه اللي حوصل لكل ديه؟ _ رفع طاهر رأسه للأعلى وهتف عالياً بخلاص:-
أووف _ أعاد النظر إليها ورد عليها بنبرة عنفوانية مختلفة مليئة بالحيوية:-
أمي خدت مؤبد بدل إعدام
_ لم يحب طاهر مواجهة عيني مروة التي حتماً سيري فيهما الشفقة على وضعه، إخترق حـ,ـضنها بدون إستئذان فأحاطته بذراعيها مشاركة إياه اللحظة السعيدة على الرغم من شعورها القوي بالشفقة تجاهه، فالتخفيف في الحكم ليس هين أيضاً لكنه أهون من حكم الإعدام.. _ تراجع طاهر للخلف وتحسس وجهها بنعومة، طالعها لبرهة حامداً الله على وجودها في حياته فكانت خير عوضاً له، إلتوي ثغره ببسمة عذبة وأخرج تنهيدة حارة قبل أن يبوح لها بما يخفيه داخله:-
بحبك يا مروة
_ خفق قلبها وبات أسيراً لتصريحه لها، إنه صرح بحبه وأخيراً، تكاد تجزم بأن قلبها يكاد يخترق جسدها من شدة تدفق الدماء المتسببة إطلاق نبضاته بتلك الصورة العنيفة.. _ لم يتردد ثانية وانحنى على شـ,ـفتيها يتذوق شهدهم لطالما أفتقد إليهم في الأوانِ الأخيرة، سمح لنفسه بالتمتع فيما يحل له، تحولت قُبلاته الرقيقة إلى حارة مليئة بالرغبة التي إستشفتها مروة
_ تمكن منها طاهر بسهولة فلم تعارضه هي على الرغم من خجلها التي تتخبط بينه، كذلك طاهر الذي حاول مقاومة خجله وتوتره فلم يسبق لهما وأن خاض كليهما تلك التجربة الخاصة من بعد يوم زفافهم والتي ستكون في عين الإعتبار مرته الأولى معها، برقة مبالغة تعامل معها حتى حلق كليهما معاً في سماء دنياهم الخاصة.. ______________________________________ بعد مرور عام وثمانية أشهر،
_ في حديقة السرايا التى زُينت بالبالونات المترابطة منتجين رسومات رائعة، الأنوار تضئ داخلها وخارجها
_ يصدر صوت قهقهة الأطفال الذين يمرحون ويتسابقون في المكان، كذلك ترتفع أصوات الكِبار بسبب الأعداد الهائلة من الحضور داخل السرايا، تمسك بيد صغيرها الذي يتعلم سير خطواته الأولى اليوم، دندنت بفرحة عارمة:-
تاتا خطي العتبة، تاتا حبة حبة، يلا يا حلو يلا خطوة خطوة يلا، يلا يا حلو خطوة بخطوة تمشي وتبجى كابير وشاب ملوش مثيل _ سحبت يدها برفق شديد لكي لا يسقط ثم صفقت بسعادة حين نجح في الوقوف بمفرده مهللة:-
شاطر يا صاصا
_ ذعر الصغير من تصفيقاتها وخر واقعاً، قهقهت عالياً وهي تردد:-
كفاية عليك إكده النهاردة، يلا عشان نلبسوك خلجاتك وننزل نطفي شمع أحلى مصطفى وأحلى هلال “إحنا خلصنا جبلكم”
هتف بهم مصطفى وهو يلوح بيد صغيره بإنتصار، بينما ساعدت ورد الصغير على إرتداء بقية ثيابه سريعاً ثم أعدلت من وقفتها وقالت:-
وإحنا بردك خلصنا _ ترجل مصطفى وهو يحمل صغيره هلال بين ذراعيه، كذلك رافقته ورد حاملة التؤام الآخر مصطفى وخرجوا إلى الحديقة لكي يبدأوا مراسم عيد الميلاد..
_ وقف الجميع حول المائدة البيضاوية الضخمة، وبدأوا في الغناء معاً، إنتهوا من الأغنية ثم أطفئ مصطفى الشمعة نيابةً عن هلال وكذلك فعلت ورد ثم إنشغلوا في الترحيب بضيوفهم وإستلام الهدايا منهم .. “كل سنة وهما طيبين يا ورد”
_ هتف بهم صوت مبهم لكن ليس غريب على أذانها، إستدارت بجسدها لكي تعلم هوية الصوت فتفاجئت بها أمامها، بملامح جامدة رددت:-
صباح! _ تقوس ثغر الأخرى بإبتسامة لم تعهدها ورد من قبل، إزدادت ضحكات صباح على منظر ورد المذهول والأقرب للوصف المصدوم فمعها كل الحق لم تكن يوماً علاقتهما ودية لكي تستقبلها ورد بغير ذلك الوجه
_ إقتربت صباح بخطاها منها ثم عانقتها بحب وأردفت معتذرة:-
أني أسفة جوي يا ورد على أي أذى كنت السبب فيه، أني ندمانة على كل اللي عملته معاكي ومع غيرك ومع نفسي وياريت نتفتحوا صفحة بيضة ونبدأ من أول وجديد _ تراجعت صباح للخلف لكي تستشف ردة فعلها التي طالت، فالتحول المفاجئ ليس هين على عقل ورد إستيعابه لكن قلبها دوماً يفوز أمام عقلها _ تقوس ثغرها ببسمة عريضة ورحبت بها بحفاوة:-
نبدأوا صفحة جديدة يا بت عمي ..
_ دقت طبول السعادة قلب صباح فهي على أولي خطواتها فى تصليح ما سبق وتسببت فيه، دنت منها ورد هامسة بفضول أنثوي:-
ربنا مرزكيش بحاجة؟ _ إرتخت ملامح صباح وأجابتها بحزن:-
لاه لسه، بس إن جيتي للحج إكده أحسن، أني لساتني بتعافى حياتي الجديمة رايدة أكون أم وجت ما أكون جاهزة عشان مظلمهمش معايا وأبجي حنينة كيفك إكده _ ربتت ورد علي كتفها بشفقة ورددت داعية:-
ربنا يعوضك خير يا حبيبتي ويرزجك الذرية الصالحة _ أمنت صباح على دعائها ثم استأذنت للمغادرة فهي قد وصلت للتو من المطار ولم تري شقيقها إلى الأن خشية أن تفوت الحفل ..
_ حضر ضيف بمفرده حاملاً للهدايا وتوجه نحو مصطفى مباشرةً، وبمزاح صاح:-
كل سنة وهما طيبين يا أبو العيال شوف أني زعلان إن إسمي متسماش بس مش خسارة فيهم الهدايا _ لكزه مصطفى بقوة في كتفه وأجابه بحنق:-
يا أخي أنت هتعجل ميتي ده أنت بجيت أب يا خوفي يطلع عجلها كيفك إكده تبجي البلد عليها العوض _ قلب ضيف عينيه ورفع طرف شفاه العليا للأعلى مجيباً إياه بتهكم:-

