
_ قلق من نومته على رنين الهاتف المستمر الذي لا يتوقف، أعدل وضعية جلوسه وسحب هاتفه من أعلى الكومود فإذا به رقم مجهول، تردد في الإجابة أولاً وفي النهاية قرر الإجابة فيمكن أن يكون هناك خطبً ما، أجاب على المكالمة بتوجس شديد لما سيقع على آذانه متسائلاً:-
مين معايا ؟ _ صغى إلى نبرة من الجانب الآخر يكاد يسمعها بسبب الضجة من حوله:-
إلحج يا سي طاهر… الفصل العشرون
( تغير جذري )
______________________________________ _ انتفض من مكانه بذعر بعد أن أنهى المكالمة، تبعته مروة بقلق شديد من هرولته وسألته بتوجس:-
في حاجة حوصلت عفشة يا طاهر؟
_ أخذ يمينه إلى أن اختفى من أمامها بسرعة البرق لهرولته التي تؤكد أن هناك ثمة مصيبة كبيرة، أخذت شهيقاً عميق وعادت إلى الداخل حين شعرت بألم قدمها الذي ازداد ما أن وقفت عليها. _ جلست أعلى الفراش وطالعت قدمها اليسرى بتفحص، شهقت بذعر حين رأت بشرتها تميل إلى الاحمرار ناهيك عن تورم كاحلها، حاولت لمسها بأناملها لكنها لم تتحمل وضعها أكثر من ثانية ؛ ترقرقت الدموع في عينيها فهذا ليس وقت الإنهيار عليها التحلى بالتماسك إلى أن تطمئن على طاهر.
______________________________________ _ وصل إلى ذلك المقهى الذي جائه الإتصال منه، لم يبحث عنه كثيراً فالمكان قد انقلب رأساً علي عقب وهو يتوسطه يصيح عالياً بنبرة ثقيلة:-
أني حمدان المنشاوي _ تشجأ وهو يتمايل بعدم تركيز وواصل هتفاته:-
اللي محدش يجدر عليه واصل!! _ لم يتوقف طاهر لأكثر بعد مشاهدته لتصرفاته الدنيئة المخجلة، توجه نحوه وتعابيره مشدودة وأسنانه تكاد تُفتك بسبب كزه الغاضب عليها، وقف أمامه وأمره بحنق:-
امشي جدامي يا أبوي وبكفيانا فضايح _ قهقه حمدان حين رأي ولده وقال بدون وعي:-
توك افتكرت أن ليك أب، بس أني مرايدش أعاود، أني مبسوط إهنه
_ تمايل حمدان يميناً ويساراً بعدم اتزان وبسعادة هتف عالياً:-
مبسوط جوي، هملني لحالي _ لم يكن أمام طاهر سوي إجباره علي الخروج حتى لو اضطر الى استعمال قوته معه، فيجب عليه إنهاء تلك المسألة عاجلاً، سحب منه زجاجة الخمر وألقاها بعيداً فصدح صوت بقايا تحطيمها عالياً، اقترب منه وأمسكه من كلتى ذراعيه وأجبره على السير أمامه هاتفاً بإنفعال شديد:-
أمشي فرجت الخلج علينا _ أوقفه عامل القهوة وهو يهتف باقتضاب:-
تمن الحاجات اللي اتكسرت ديي على مين؟
_ حرك طاهر رأسه للخلف ورمقه بنظرات احتقارية مشتعلة ثم دس يده في جيب جلبابه وأخرج حزمة أموال وألقاه أرضاً بقرب قدم عامل المقهي ثم تابع سيره دون أن يلتفت..
_ حرر قبضته عن والده ما إن ابتعد عن أعين المتطفلين، وقف قبالته وعاتبه ببغض واضح:-
رايد تعمل ايه تاني عشان تزيد من كرهي ليك! بجيت أكره طلتك أو ابص في وشك بسبب عملتك اللي بتحاسب عليها لدلوك، مجادرش أعيش حياتي كيف أي شاب في سني بسببك د، ضيعت من يدي الحب اللي لساتني عايش بحلم بيه ومشايفش غيره، مـ,ـوت ضميري وسكتني على عملتك ولدلوك كل ما أنام اخاف امـ,ـوت وأجابل وجه كريم وأني كاتم شهادة! ؛ مكمل في الحياة بجسد روحه ميتة لا عارف أدوج طعم الفرح ولا الراحة كل ديه بسببك أنت، أنت عقبة حياتي يا ابوي!
_ اتسعت حدقتي حمدان بصدمة وطالعه لوقت لم يصدر منه أي تصرف أو ردة فعل، إلتوى ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة تحولت إلى قهقهات مرتفعة غير واعٍ لما تفوهه طاهر لتوه. _ نفخ طاهر بضجر بائن وحرك رأسه مستنكراً سذاجته وهتف بتهكم:-
بتحدت مع مين أني _ عاد إليه وأمسك بذراعه مجبراً إياه على العودة إلى منزلهم، بعد عدة دقائق قليلة وصلا كليهما إلى المنزل، توجه به طاهر فور دخولهم إلى المرحاض المنفرد وغسل رأسه بالماء البارد حتى يعيده إلى رشده.
_ دفعه حمدان بعيداً عنه ما إن استعاد جزءاً من عقله ونهره بغضب:-
بتعمل ايه يا واكل ناسك؟ _ كز طاهر أسنانه بعصبية وهو يطالعه بكُره واضح في عينيه، دنى منه وهمس محذراً:-
خليك متوكد إن المرة تانية لما تشرب الجرف ديه ههملك لحالك يمكن تعترف جدام الخلج على عملتك ويبغلوا عنيك ويبجوا خلصوني من تأنيب الضمير اللي عايش فيه! _ مر بجواره فخبط في كتف بقوة لصغر المساحة، عاد إلى غرفته بينما وقف حمدان يراقب طيفه الذي يختفي رويداً إلى أن اختفى تماماً، بصق في الحوض بغل وهو يردد:-
كن اللي بتعمله يا حمدان شياطينك بيطلعوه عليك!
_ غسل وجهه بالماء عدة مرات لكي يستعيد رونقه بالكامل، صغي إلى قطرات مياه تأتي من الخارج لكن الصوت واضحاً لديه وكأنه ملتصق به. _ فغر فاهه بسعادة مفرطة حين تذكر سنية، بالتأكيد لم تغادر البلدة بعد، عزم بألا يفوت الفرصة قبل أن ينال ما تمنى حصوله منذ زمنٍ بعيد. _ أسرع إلى الخارج بخطوات مهرولة لا تطيق الإنتظار حتى وقف أمام منزلها وطرق عليه بعد أن تفحص المكان من حوله جيداً ووقف ينتظر ظهور طلتها عليه بفروغ صبر.
______________________________________ _ كانت تعتلي الفراش ممددة ساقيها أمامها لا تجرأ على تحريك ساقها اليسرى بسبب الألم الذي تعاني منه إن حركتها من مكانها، تتابع خلعه لجلبابه وإلقائه إياها بقوة على الأريكة التي تتوسط الغرفة، كان يشاجر ذاته بعصبية ولم يغلق فمه قط دون أن يصدر منه صوتاً. _ حاولت فهم ما يقوله من قرائتها لشـ,ـفتيه لكنها فشلت فمن الواضح صعب فهم شخصية غاضبة، نهضت عن مكانها وتوجهت نحوه محاولة مشاركته همومه:-
ليه مبتشاركنيش همومك ومشاكلك؟
_ استدار إليها طاهر وطالعها لبرهة فلم يكن لديه إجابة واضحة على سؤالها فلم يتعاد مشاركة أحداً همومه فالوضع بالنسبة له اعتياد فقط، اخرج تنهيدة حارة من جوفه وأردف موضحاً:-
مسألة تعود مش أكتر متهيأليش إني شكيت لحد جبل إكده همي _ عاتبته مروة بعينيها أولاً ثم بكلماتها ثانياً:-
أني مش حد يا طاهر أني مرتك، المفروض تفتح لي جلبك، اني غير أي حد غير أمك غير بوك غير خيتك غير صاحبك، أني اللي ربنا جالي فيها وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
_ مدت يدها وتناولت يديه بين كفوفها الصغيرة وواصلت مضيفة:-
أني سكنك يا طاهر _ بنبرة هاشة ضعيفة سألها:-
يعني ايه؟ _ تشكلت على محياها بسمة رقيقة وأوضحت له معني الكلمة:-
يعني نفسك تطمن لي وتسكن لي، أني ضلع من ضلوعك يا طاهر اتعامل معايا كاني مطرحك ودارك فهمت يعني ايه؟ _ أوصد طاهر عينيه وصاح بنبرة منهمكة:-
أني تعبان جوي _ مطت يديها داعية إياه على أخذ عناقاً يطيب خاطره ويجبر قلبه المنكسر هاتفية بصدر رحب:-
وأني حضـ,ـني موجود، طلع غُلبك كلاته فيه
_ عاد طاهر لينظر إليها لثوانٍ وبدون تفكير قبل دعوتها وقام بعناقها كطفل فقد والديه ويريد العودة إلى الوطن. ______________________________________ فتحـ,ـت له بعد وقتاً طال، فلقد كانت تحظى باستحمام دافئ لعل حكة جسدها تهدأ فلقد هاجت حساسيتها بسبب ناموس الطوالة، عقدت ما بين حاجبيها بغرابة لوقوفه أمام بابها في ذلك الوقت المتاخر من الليل، تنهدت بضيق وسألته بتجهم:-
رايد حاجة يا حمدان؟ _ حمحم وأجابها بصوته الخشن وهو يرمق المنزل من خلفها بتفحص:-
كنت جاي أطمن عليكي، أخوكي مشي ولا لساته إهنه؟
_ لا تدري لما تسلل القلق من خلف سؤاله وكأنه ثمة خطب ما ورائه، سحبت نفساً وردت عليه تريد إنهاء الحوار معه سريعاً:-
لاه مشى عن اذنك عشان هنام تصبح على خير _ كادت أن تغلق الباب في وجهه إلا أنه لحق به قبل أن يوصد فتفاجئت هي من تصرفه وهتفت بحنق:-
في حاجة رايد تجولها يا حمدان
_ أماء لها برأسه ثم تقدم نحوها والرغبة فيها تشع من عينيه، هاجمها وأجبرها على الدخول ثم ركل الباب بقدمه فأغلقه وردد بشوق:-
رايد أجول كاتير جوي، جوايا نار مشعللة مبتنطفيش، حبك جايد في قلبي اللي عيتمزع وأني شايفك مع اخوي العجوز اللي الفرج بيناتكم مجدرش أعده من كتره، حياتك راحت مع واحد ميشبهكيش أني اللي أليج بيكي، أني اللي بحبك ولحد دلوك حبك ساكن في جلبي مخابرش أخرجه كيف، بس لاه أني مرايدهوش يخرج اني هعمل اللي مجدرتش أعمله زمان واخد حجي منك
_ فرد قوته عليها تحت صدمتها التي ألجمت لسانها وصعقت عقلها، لم تخرج من هرائه بعد فوجدته يتهجم عليهم بوحشية شرهة، رفضت بكل قوتها أن تسمح له بالتقرب منها، تراجعت للخلف بخطى مهرولة وهي تناديه متوسلة:-
اعجل يا حمدان بدل ما ألم عليك البلد كلاتها _ لم يكترث فمن سيهتم لتهديد سخيف أمام أمنيته لطالما أراد تحقيقها، رفع طرف جلبابه ووضعها بين أسنانه لكي يسهل عليه التنقل خلفها، لم يكف قلب سنية عن النبض بعنف، شعرت لوهلة بأنه يكاد يُشك على التوقف من فرط قوة أدائه في تلك اللحظة.
_ ركضت وركضت وهي تصرخ عالياً مستغيثة بأحدهم:-
يا ناس يا خلج غيتوني _ تعسرت قدميها بين مرات من الركض ووقعت أرضاً، علمت بأنها نهايتها ما إن تقيدت حركتها من قِبل ذاك الثور الهائج الذي لا يرى سوى أن ينال منها ويتمكن من جسدها برغبة قوية. _ لم تأثر فيه ركلاتها التي تحاول إبعاده عنها ناهيك عن عبراتها التي تتوسله بلين أن يتركها وشأنها لكن هيهات لعقل حمدان الذي ذهب تماماً واستحل عرض أخيه بعدما استحل سفك الدماء من قبل.
_ دوى في المكان صوت إطلاق إحدى الرصاصات فخشاها حمدان ونهض مذعوراً ليرى من افتعل ذلك، صعق حين رآها ثريا واقفة أمامه بعدما أطلقت الرصاصة على مقبض الباب وهمت بالدخول إليهم. _ رمقته ثريا بإزدراء وبغض شديدين، فإنها والله تكرهه لكن ماليد حيلة فوالدها من أجبرها على تلك الزيجة البغيضة أملاً في رجولة حمدان ظناً منه أنه سيؤتمن على عرضه ويحافظ على أمواله. _ وجهت ثريا نحوه وجه البندقية وصاحت بتقزز مفرط منه:-
أني جرفت منك، طهجت من وساختك اللي مبتنتهيش، مصونتش جلب مرتك ورايح تجري ورا مرت أخوك يا عديم الرجولة والنخوة!
_ مالت ثريا برأسها ناظرة إلى سنية التي تكورت على نفسها ولم تتوقف عن البكاء غير مصدقة أن الله قد سمع استغاثتها وأرسل إليها من ينقذ شرفها من منتهك العرض ذاك. _ تنهدت ثريا بتهكم وحادثتها موضحة سبب كرهها لها:-
أني بكرهك يا سنية بسببه، كنت بكرهك كل ما بشوف لمعة عنيه وأنتِ واجفة جصاده، كنت بكرهك وأني شايفاه بيركض وراكي ويحاول يرضي الهانم بحجة أن جوزها مات، ده حتى لما نهب الأرض بتاعتكم كان مفكر أنك بكده مش هتهملي البلد وأنه ماسكك من يدك اللي بتوجعك!
_ صُدم حمدان من كلمات ثريا التي أكدت له بهم معرفتها الكاملة لعشقه لسنية ولم تتحدث طيلة الأعوام الماضية لكنه كان غبي لم يرأف بمشاعرها يوما.

