
_ فغر طاهر فاهة بصدمة، ازدرد ريقه بصعوبة وهو يفكر في كلمات ما يبرر به خطئه الفادح، هرب بعينيه بعيداً عنها وحاول جاهداً أن يصلح ما اقترفه وحين فشل في إيجاد الكلمات حاول نفي ما قاله:-
أني مجولتش ورد أنتِ سمعتي غلط! _ أصرت مروة على حديثها فلن تكدب أذنيها وتصدقه:-
لاه أنت جولت ورد أني متوكدة كيف ما أني متوكدة انك واجف جصادي دلوك _ أوصد طاهر عينيه هارباً منها مستاءً من زلة لسانه اللعينة التي أوقعت به في ذاك المأزق، أنتبه على كلماتها التي خرجت متلعثمة:-
بينك كنت بتحبها جوي
_ لم يرغب طاهر في الخوض عن سيرتها ونفي ما تحاول مروة الوصول إليه بنبرة صارمة:-
أني محبتش حد وجفلي على الموضوع ديه _ لم تكترث مروة لطلبه فلن تتراجع قبل أن تكن على دراية تامة بحقيقة الأمور، دنت منه وأردفت خشية من إجابته:-
ورد ديي نفسها ورد بت عمك صوح؟ _ لم يتحمل طاهر سماع إسمها يتردد مرة أخرى فلقد قطع عهداً مع ذاته بأنه يقتلعها من عقله ويحاول قدر المستطاع أن يتعايش مع حياته الجديدة مهما كانت درجة نفوره منها.
_ تفاجئت مروة بدفعه لها حتى وصل بها إلى الحائط وأجبرها على الإستناد عليه وصاح غاضباً:-
جولت مفيش ورد.. مفيش ورد! _ سمح لنفسه بإفراغ شحنة غضبه في تلك القُبلة التي آلمت الأخرى كثيراً من قوتها، ومن بين قبلاته كان يردد بإنفعال شديد:-
مفيش ورد.. مفيش مكان ليها _ اعتقدت مروة أنه يثبت لها بتلك الطريقة عدم وجود مكاناً في قلبه لورد لم تكن تعلم أنه يردد الحديث لنفسه على أمل إخراجها من عقله وقلبه مع خروج كلماته.
_ ابتعد عنها حين طالبت رئتيها بالهواء كذلك هو قد انحشرت أنفاسه داخله في هذا الوضع الحابس للأنفاس ، إلتقط أنفاسه وبنبرة تميل اللي اللين المختلط بالهدوء همس أمام شـ,ـفتيها:-
سيرة ورد متجايش على لسانك بعد أكده يا مروة لو ليا خاطر عنديكي _ لم يكن أمامها سوى الرضوخ أمام نبرته التي يتوسلها بها ناهيك عن قُبلته التي مازال أثرها لم يختفي بعد، ضبط طاهر من حالته ثم أولاها ظهره واقترب من المغطس الرخامي وقام بفتح صنبور المياه فانسدلت قطراته مرتطمة بالارضية.
_ أعاد النظر إليها وهو يقول:-
ادوشي عشان الدم اللي علي جسمك ديه يروح على لما أجيب لك مرهم يعالج الچروح ديي _ أولاها ظهره وتوجه إلى الخارج ما إن أنهى كلماته وتفاجئ بخلوا الغرفة فحمد الله على عدم وجودهم فحتماً لم ليكن يستطيع النظر في أعينهم بعد فعلته المتهورة مع مروة. _ حرك رأسه يطرد أفكاره التي ليست في وقتها وتوجه نحو درج الكومود التي سحبه للخارج وبحث عن أحد المراهم التي سيضمد بها جروح مروة، التقطه وجلس على الفراش في انتظار خروجه إليه.
______________________________________ _ إلى الأن لم يهضم ما أخبره به صديقه، المفاجأة المختلطة بالصدمة مسيطرة عليه بالكامل، حرك الآخر رأسه مستاءً حين تأخر عن الرد عليه هاتفاً بحنق:-
هتفضل ساكت أكده لميتي؟ _ خرج مصطفى من ذهوله وتمتم بدون تصديق للأمر:-
مخابرش أجول ايه يا ضيف، أنت جاي تجولي بعد كل الوجت ديه ورايدني أعملك ايه يعني مفاهمش؟
_ ألقى ضيف ما في جوفه بإنفعال شديد فهو لا يحتمل أي عتاب الأن فقط يريد حلول قاطعة يحسم بها أموره:-
رايد مني أخبرك إني على علاقة بصفاء عشان تكون نظرتك ليها كيف نظرتك لصباح! لاه يا مصطفى أني مهسمحش لأيتها حد يفكر فيها حاجة عفشة أو يبص لها بصة مش اللي هي، صفاء أني رايدها مرتي حلالي ولا يمكن أتحدت عنيها وأجيب في سيرتها حتى لو معاك أنت!!
كيف اكده ما أنت مبتسمحش لحد يجيب سيرة مرتك لأنها مينفعش تتجاب من أساسه، فهمت دلوك ليه مجولتش طول المدة اللي فاتت ديي، أني حكيت لما فاض بيا لما كل الأبواب اتجفلت في وشي، صباح من جيهة ومروة من جيهة وأبوي من جيهة وأني مخابرش أعملوا إيه جيت لك يمكن ألاجي عنديك الحل. _ جاب مصطفى المكان من حوله ذهاباً وجيئا وهو عاقد ذراعيه خلف ظهره محاولاً إيجاد فكرة ما ترضي صديقه، توقف عن سيره وأردف متسائلاً:-
رايد تسمع مني أي حديت يرضيك ولا رأيي الشخصي؟
_ أسرع ضيف مجيباً إياه على مضضٍ:-
خلص يا مصطفى وجول رأيك _ أزفر مصطفى أنفاسه وسحب مقعده الخشبي وجلس أعلاه ثم وضع قدم على الأخرى تحت نظرات ضيف المغتاظة التي لا تحتمل الإنتظار وبدأ حديثه مردفاً بنبرة رزينة:-
اللي أنت فيه ديه أنت تستاهله يا ضيف _ چحظت عيني ضيف بصدمة وهتف بتجهم:-
أستاهله كيف يعني؟ _ رد عليه مصطفى بنبرة جامدة:-
كيف ما سمعت إكده، أنت لعبت بصباح ومشاعرها فاللي بيحوصل ديه عقابك من ربنا
_ سحب ضيف مقعداً آخر ووضعه أمام مصطفى مباشرةً وجلس أعلاه بعنف في طريقة جلوسه وصاح به هدراً رافضاً تحمل ذنب تلك الدنيئة:-
على يدك كانت هي اللي بتاجي لي الغيط محدش ضاربها على يدها وجالها تعالي صاحبيني _ بصرامة وحزم قاطعه مصطفى:-
بس كان ممكن تصدها بس أنت كان عاجبك أنها هي اللي بتركض وراك، معلوم الرجالة اللي بتركض ورا الحريم فلما الوضع اتبدل جاريتها أنت في غلطها وياريتها على كد المجابلات يا ضيف شكل فيه وعود أنت وعدتها يا ضيف!!
_ اتسعت حدقتي ضيف بدهشة فلقد أصاب مصطفى ولم يخطئ، لاحظ مصطفى ذهول ضيف من سماعه لما قاله للتو وواصل مصطفى بثقة أكبر قد استمدها من خلف نظراته:-
متتعجبش أوي أكده، أصل يعني إيه اللي يخليها متمسكة بيك للدرجة ديي إلا إذا أنت وعدتها بحب أو جواز! حوصل ولا محوصلش؟ _ نكس ضيف رأسه بخذي وأجابه بنبرة خافتة:-
حوصل..
_ إلتوى ثغر مصطفى للجانب بتهكم وتابع ما يحاول توصيله لصديقه:-
شوف يا ضيف مينفعش نحلل الحرام ونزيدوا فيه لانه بيجرنا لحاجات تانية كتيرة، يعني أنت استحليت ركضها وراك وديه أول إثم وبعدين جومت مجرور لوعد وعدته ليها وموفتش بيه وديه الإثم التاني والإثم التالت لما هربت منيها وهي مسكورة الخاطر وكسر الخاطر من سهل أبدا عند ربنا، ديه ربنا سبحانه وتعالى نزل أية لما كُسر خاطر السيدة عائشة في حادثة الإفك
{إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ}
فاللي بيحوصل ديه عقاب من ربنا يا صاحبي
_ وضع ضيف كلتى يديه أمام وجهه بقلة حيلة، تملك منه الضيق كذلك انتابه شعور الإختناق الذي أطبق على صدره لعدم وصوله إلى حل لمشاكله بعد بل تعقدت الأمور بتوضيح مصطفى لذنبه الكبير. _ أزاح يده عن وجهه وأخرج تنهيدة مهمومة وبنبرة خافتة قال:-
بس أني مبحبش صباح ديي أخر واحدة ممكن افكروا فيها وهي مسكاني من يدي اللي بتوجعني معارفش اتحرك خطوة واحدة وأني ممطمنش على أختي اللي معاها في دار واحدة، وصفاء لا يمكن اتخلى عنيها حتى لو أبوي رفض تاني أني مستعد أكتب عليها من غير موافجة لا أبوي ولا عمها بس أطمن علي أختي لاول!!
_ سكون مريب سيطر على الأجواء قطعه مصطفى بقهقهته غير مصدق ما يتحدثان فيه:-
بجا ضيف بجلالة جدره اللي مدوخ بنتة البلد غرجان لشوشته في العسل، والله عجايب يا زمن _ حك ضيف مؤخرة رأسه بعصبية وأضاف ساخراً على حديث مصطفى:-
البطيخة مبينلهاش شج يا صاحبي _ ازدادت ضحكات مصطفى أضعافاً وردد من بين ضحكاته المتواصلة:-
مش لما تشتريها لاول يا ناصح، لاه وأنت بالصلي على النبي جدامك بطيختين وخابر زين انهين الحمرة وانهين الجرعة والخيبة أنك وافج تتفرج عليهم ومخابرش تشتري انهيين فيهم
_ حرك ضيف رأسه مستنكراً تشبياته الغريبة وشاركه مزاحه:-
يخربيت أم البطيخ اللي وكلت دماغنا بيه ديه، أومال لو مانجا كنت عملت فينا ايه؟ _ توقف مصطفى عن الضحك وانعكست ملامحه إلى الضيق معلقاً على آخر قاله:-
متفكرنيش بالمانجا _ قطب الآخر جبينه بغرابة وسأله مستفسراً:-
ليه عاد؟ _ بفتورٍ أجابه مصطفى:-
أكده جالي فوبيا من سماع إسمها، جول فاكهة تانية إلا ديي _ أصدر ضيف ضحكات متهكمة على حالة مصطفى الغير مفهومة، ثم تابع كليهما تناول أطراف الحديث الذي لا يعرفون له نهاية فور بِدأه.
______________________________________ _ عاد مصطفى بعد مدة ليست بقصيرة بعد أن قضى سهرةٍ لطيفة مع صديقه، كاد أن يولج لغرفته إلا أن كلمات والدته ترددت في عقله في اللحظة الأخيرة، تراجع عن الدخول وتوجه إلى غرفة والديه وبرفق حذِر طرق بابهم ووقف في انتظار إجابة أحدهم. _ لم يحتاج لتكرار فعلته فلقد فتحت له والدته واستقبلته بإبتسامة هادئة، خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها ثم دعته إلى غرفة الضيافة وبدأت حديثها بتردد بعد أن اعتلت طرف الفراش:-
أني اسفة يا ولدي
_ قطب مصطفى جبينه بغرابة من أمر اعتذارها التي قدمته دون أسباب واضحة، عدل من وقفته وسألها مستفسراً:-
بتتأسفي على إيه ياما؟ _ فركت السيدة نادرة أصابعها بخجل شديد وأجابته بنبرة لا تشبهها إطلاقاً:-
أني غلطت في حجك كتير، أني كنت أنانية معاك ومفكرتش غير نفسي وبس، أني رفضت جوزاتك من ورد رغم انك جولتلي أنك راضي بيها وأني بنفسي شوفت أنك بتحبها وبرده مبطلتش مرازية فيكم أني أسفة جوي يا ولدي سامحني
_ سقطت عبرات نادرة وكأنها سكيناً غرزت في قلب مصطفى، انفطر قلبه حزناً ببكائها الذي لم يعتاده فتلك كانت المرة الثانية على التوالي يراها تبكي من بعد وفاـ,ـة هلال. _ أسرع نحوها وجلس القرفصاء أمامها ثم طبع قُبلة على يدها معاتباً إياها بلُطف:-
متبكيش ياما، نادرة الحفناوي تبكي متبكيش، أني مسامحك ياما بس وغلاوتك عندي بلاها الدموع ديي بضايجني _ مسحت نادرة عبراتها وشكلت إبتسامة راضية على محياها، ربتت على يده الموضوعة على يدها وأردفت بحنو:-
جوم عاود لمرتك وتاني مرة متعوجش عليها وتسبيها لحالها كل المدة ديي، خلي مجابلاتك في النهار والليل تكون جارها
_ وضع مصطفى قُبلة أخرى علي راحة يدها وعلق بمرح:-
سمعاً وطاعة يا سيدة الجصر _ قهقهت نادرة عالياً فشعر مصطفى بالراحة تتغلغل داخله حين نجح في إستعادة ضحكاتها من جديد ثم نهض من جلسته وانحنى بقامته على جبينها وضعاً قُبلة عليه مردداً:-
تصبحي على خير ياما _ ردت عليه متمنية له كل الخير:-
وأنت من أهل الخير كلاته يا ولدي _ أولاها مصطفى ظهره وعاد بأدراجه إلى غرفته بخطى مهرولة فهو لا يطيق الإنتظار لرؤية وردته، اختفت إشراقة وجهه حين رآها غافية، لوى شـ,ـفتيه بتزمجر متمتماً:-
وااه أنتِ نمتي يا ورد
_ أزفر أنفاسه بملل وتجرد من الثياب إلا من سروال قطني قصير، أستلقى بجوار ورد وجذبها برفق إلى حـ,ـضنه ثم دفـ,ـن رأسه في عنقها وأوصد عينيه هامساً بلوعة الشوق:-
لو خابرة أني عاشجك كد إيه! _ ترك العنان للنعاس في التغلب عليه حتى بات في ثُباتٍ عميق غير آبه لما يدور حوله فلتحـ,ـترق النجوم فالسكينة التي تبددت داخل قلبه بقربها تكفيه. ______________________________________

