
_ مر بجوارها دون أن يلتفت لها، فهو يعتقد أنها قد نالت نصيباً مضاعفاً من الدلع، إذا ليجني ثمره تصرفاته التي لم يحسب لها، جهشت ورد في البكاء ما إن اختفى مصطفى خلف باب الغرفة، لم تعد تتحمل ذلك الذنب على عاتقها مدة أطول، تريد إخباره وليحدث ما يحدث لكن تلبسها لثوب الجمود وتصرفاتها الباردة لن تجدي نفعاً سوى تمزيق قلبها حزناً على ما تفعله به.
”اااه”
_ اخرجتها من جوفها بحرارة عبراتها التي تشعر بهم على مقلتيها، يعلوا ويهبط صدرها من فرط قوة بكائها التي هدأت تدريجياً إلى أن باتت أنفاسها ثقيلة للغاية ولم تعد أخذ أنفاسها بصورة طبيعية كما في السابق.. _ تكورت في نفسها أعلى الفراش دافنة رأسها بين قدميها محاوطة إياها بذراعيها من الأعلى، تصدر منها شهقة قوية كلما فشلت في إخفائها كغيرها متمنية بأن يسترد الله أمانته وتحلق روحها في السماء فهي والله لن تستطيع صبراً علي الأيام القادمة.
______________________________________ _ يتوسطون كليهما الطوالة ينفث ضيف دخان أرجيلته التي أحضرها خصيصاً ربما ينجح في إخراج همه مع خروج تلك الأدخنة من جوفه _ أشاح مصطفى بيده الأدخنة المتطايرة التي سببت له ضيق في صدره، حمحم مصطفى وحادثة بضجر:-
بكفياك دخان يا ضيف خنجتني _ ألقى ضيف بأرجيلته بعيداً وصاح عالياً بحنق:-
أدي الزفتة اللي مضيجاك أهي _ أعدل مصطفى من جلسته ليكون أقرب إلى صديقه وسأله بإهتمام:-
ناوي على ايه؟
_ لم يعد يعلم ماذا يريد فلقد فقد زمام الأمور، وبنبرة تميل إلى قلة الحيلة قال كلماته بتجهم:-
مخابرش يا مصطفى برج من نفوخي هيطير، ممستوعبش إن بت كيف صباح ديي تلوي دراعي، دراعي أني ضيف الحمايدي!! _ تشكل التهكم على تقاسيم مصطفى وردد مستاءً فهو من ساعدها على التجرأ عليه وفعل ما يحلوا لها:-
ممنوش العتاب دلوك خلاص اتلطيت في الجوازة، فكر بجا في الدهانات والستاير والسجاد والذي منيه _ كان يعلم ضيف أن مصطفى قاصد استفزازه ويريد إخراجه عن شعوره لكنه لا يعلم أنه بالفعل خارج عن شعوره ويود إحراق الأرض بمن عليها من فرط غضبه وقلة حيلته
_ انتفض من مكانه موجهاً حديثه إلى مصطفى بأمر:-
محدش هيخطي الشجة ديي غير واحدة بس ودلوك، جوم معايا _ قطب مصطفى جبينه بعدم استعياب لكلماته وسأله مستفسراً:-
ايه اللي هيحوصل دلوك واجي معاك على فين؟ _ دنى منه ضيف ومد له يده مجيباً إياه:-
جوم وأنت تعرِف _ أمسك مصطفى في يد ضيف الموجهة له ونهض بمساعدته وسار سوياً إلى الخارج ومن ثم ركب كلاً منهما سيارته، أسبق ضيف أولاً لكي يتابعه مصطفى الذي لا يعلم إلى أين وجهتهم لكنه سيفعل اي شيء من أجل صديقه وراحته..
______________________________________ _ ولج خليل لغرفته باحثاً عن زوجته فلم يراها منذ وقتٍ بعيد، كانت ممددة ساقيها على الفراش منهمرة بين أفكارها فلم تلاحظ دخوله كأنها في عالم آخر.. _ اقترب خليل من الفراش بعدما خلع عبائته ومن ثم جلبابه ومكثت بجوارها وإلى الأن لم تشعر بوجوده في الغرفة ”أباه كل ديه ومحساش بيا”
_ هتف بهم بنبرة مرتفعة حتى يجذب انتباها إليه، حركت السيدة نادرة رأسها لليسار قليلاً فتفاجئت بوجوده وسألته بحيرة:-
أنت إهنه من ميتى؟
_ أجابها خليل وهو يلتقط جهاز المكيف الذي قام بتشغيله:-
بجالي ياما ولا أنتِ إهنه خالص وكمان جاعدة في الحر ديه كيف مش عادتك يعني _ أخرجت تنهيدة حارة من جوفها واختصرت الحديث معه:-
مفيهش يا خليل عجلي مخربت شوية ورايدة أنعس _ حرك رأسه بتفهم وأردفت وهو يوليها ظهره:-
إذا كان على كد النوم يبجي بسيطة، تصبحي على خير
_ لم تجيبه نادرة فرفع رأسه ونظر إليه ليراها منهمرة بين أفكارها غير أبية لما يدور حولها، وقع في حيرة من أمرها فحتماً هناك ثمة شيء يشغل عقلها لا يعلمه هو، تنهد ثم عاد لوضعه فبالتأكيد إن كان هناك أمراً عليه معرفته لكانت أخبرته به. ______________________________________ _ وضعت مفتاح من بين عدة مفاتيح مربطة معاً في الباب لكي تهم بالدخول لكنه لا يريد الفتح، حاولت مراراً معه والنتيجة ذاتها لا ينفتح، دفعت الباب بعصبية بالغة فساقيها بالكاد تحملها
_ فُتحت لها إبنتها الباب متعجبة من حالة والدتها التي هي عليها وسألتها بحيرة:-
مالك يا أما بتتخانجي ويا الباب ليه؟ _ أجابها بتجهم وهي تهم للداخل:-
مبتخانجش ولا حاجة همليني لحالي يا صفاء كفاية اللي أني فيه _ بالتأكيد لن تتراجع قبل معرفة سبب حالتها المبهمة ربما تجد لها حلاً، سارت خلفها غير آبية لكلمات صفية التي تحثها على الإبتعاد عنها في تلك الأثناء:-
مش هسيبك جبل ما تجولي في ايه، حد ضايجك؟ _ نفخت صفية بصوت عالٍ وصاحت بها شزراً:-
بكفياكي أسئلة وتنطيط ورايا أني ممتحملاش أسمع ولا أتحدت في حاجة روحي أوضتك ونامي
_ فشلت صفاء في معرفة ماوراء عصبية والدتها، عادت بأدراجها إلى غرفتها داعية الله بأن يعدل صفوها، بعد برهة انتبهت لقرع الباب، عقدت ما بين حاجبيها متعجبة من تلك الزيارة المتأخرة من الليل فمن سيزورهم الأن؟ _ انتفضت من مكانها وأسرعت إلى الخارج مهرولة غير مطمئنة بالمرة، فتحت الباب بعد أن لَقِفت حجاب رأسها وأخفت به شعرها، اتسعت حدقتيها بصدمة حين رأته يقف أمامها ورددت حروف إسمه بذهول:-
ضيف! ______________________________________ صباحاً،
استيقظت باكراً وارتدت ثيابها التي ستغادر بها ثم جلست على الأريكة المقابلة للفراش في انتظار استيقاظه.
_ بعد دقائق معدودة بدأ يستعيد وعيه من خلف رنين المنبه المزعج، أعدل من جلسته وقام بغلقه ورؤياه مازالت مشوشة، لمح طيفها يجلس أمامه ففرك عينيه حتى يتأكد منها _ تشكلت إبتسامة مستاءة من وضعها الحاسم لمغادرتها وكأن الذي عاشاه في الأمس كان هباءاً منثورا، نهض من فراشه مردفاً بنبرة متحشرجة:-
لساتك مُصرة على السفر؟ _ نهضت هي الأخرى ودنت منه ثم قالت بنبرة رقيقة:-
هنعيدوه تاني يا مصطفى!! _ أخرج زفيراً عميق وردد بعدم رضاء:-
مهجدرش أبعد عن العيون الزرج ديي كاتير
_ أجبرت نفسها على رسم إبتسامة لم تتعدى شفاها فضميرها لا يتركها وشأنها منذ معرفتها بحقيقة قـ,ـتل هلال وهتفت متوسلة:-
متصعيبش الموضوع يا مصطفى دول كلاتهم يومين ومعاودة _ رققت من نبرتها وأضافت:-
عشان كمان تتوحشني _ انحنى مصطفى على شـ,ـفتيها وطبع قُبلة حارة عليهم ثم ابتعد مردداً:-
ربنا يصبرك يا مصطفى على اليومين دول _ بادلته ضحكة عفوية ثم حثته على الإستعجال من أمره بقولها:-

