
_ أوصد جفنيه بعصبية بالغة ثم عاد إلى المنزل يحاول استشفاف أي شعور تعيشه من خلف تقاسيمها، أدار مقبض باب غرفته وولج للداخل بعدما طرق عليه معلناً عن مجيئه، نظراته لم تُرفع من عليها، لاحظ تعقيدات وجهها التي ترسمها من آن لآخر وكأن هناك ما يؤلمها فعلياً وليست مبرراً للهرب كما أعتقد. _ جلس أمامها ولم يتردد في سؤالها مهتماً لأمرها:-
كانك بتتوجعي من حاجة صوح؟ _ أماءت له بتأكيد ثم تشنجنت تعابيرها مرة أخرى وهي تردف بتعب:-
بطني بتتجطع..
_ انخلع قلب طاهر حين رأى آلامها الظاهر، نهض من جلسته مردداً بتوجس بالغ:-
جومي نروحوا المستوصف نطمنوا عليكي _ تذكرت مروة ميعاداً ما، سحبت هاتفها من جانبها وطالعت تاريخ اليوم الذي أوضح لها حقيقة تقلصات بطنها، أعادت وضع الهاتف مكانه ورفعت بصرها على طاهر بحياء قد اجتاحها فكيف ستخبره بهذا؟ _ عضت على شـ,ـفتيها السفلى بإرتباك حرِج واضطرت إلى إخباره بميعادها من كل شهر حين رأت إصراره على الذهاب إلى المشفى، أخفضت رأسها بخجل شديد فالأمر بات مخجلاً للغاية كما تلونت وجنتيها بالحُمرة نتيجة لنظراته التي لم ترفع بعد من عليها.
_ انتبهت مروة على سؤاله الحنون:-
وديي بتاخدي لها حاجة تخفف من وجعك ولا بتعملي معاها ايه؟ _ ردت عليه وهي منسكة الرأس فحيائها قد منعها من النظر إليه:-
بشرب جرفة ولو الوجع مخفش بملي ميه دافية في إزازة وأحطها على بطني بتهدي التشنجات ديي هبابه. _ أخذ طاهر شهيقاً وأزفره بتهمل ثم دلف للخارج دون أن تعلم هي وجهته، هبط إلى المطبخ وبدأ في تحضير مشروب قرفة لها وعلى نار أخرى وضع إناء به بعض المياه ووقف ينتظر الإنتهاء من كليهما.
_ انضمت إليه ثريا وسألته بفضول أنثوي لعلها تساعده في شيئ ما إن كان بحاجة إليها:-
بتعمل ايه يا ولدي أساعدك في حاجة؟ _ اومأ لها طاهر بالرفض موضحاً:-
لاه ياما تسلمي، بعمل جرفة ومية دافية لمروة بطنها بتوجعها هبابة _ استشفت ثريا ما وراء الأمر حين أخبرها بتحضيره للقرفة، إلتوى ثغرها ببسمة عريضة وربتت على ظهره بحب واضح:-
ربنا يجعلك حنين يا ولدي طول العمر
_ تنهدت بصوت مسموع وتابعت ما لم تكمله:-
اوعاكي يا ولدي تقسى على مرتك واصل ولا تمد يدك عليها وافتكر إن معاملتك مع مرتك هتتردلك في اختك، عزز منيها لأنها بت ناس وبنتة الناس يتعاملوا زين مش ناخدهم نبهدلهم معانا. _ بادلها طاهر بابتسامة عذبة وهتف بنبرته الرخيمة وهو يسكب مشروب القرفه في كوب عميق:-
أكيد ياما متجلجيش
_ قام طاهر بملئ المياه في زجاجة صغيرة وقبل أن يغادر أوقفته والدته نادمة على ما فعلته به طيلة الأعوام الماضية:-
ياريتني ما وجفت في طريج سعادتك يا ولدي وجفلت كل الطرج جدامك إنك تاخد ورد بت عمك أني خابرة زين كيف بتح… _ قاطعها طاهر مستاءً من ذكر إسمها المتكرر في أوقات ليست في محلها:-
ورد ماضي وراح لحاله ياما وإذا سمحتي بلاش سيرتها تاجي تاني إهنه عشان مروة متزعلش، مروة طيبة وربنا رضاني بيها معايزش يوحصل مشكلة من ورا سيرة ورد ديي
_ أماءت له بقبول لطلبه ودعت له بقلب سليم:-
ربنا يسعدك يا ولدي ويرزجك الذرية الصالحة _ آمن طاهر على دعائها ثم استأذنها وعاد إلى غرفته، تفاجئت مروة بحمله لزجاجه المياه وبيده الأخرى كوباً، لم يكن هناك داعي للتخمين فرائحة القرفة النفاذة قد تسللت إلى داخل أنفها. _ جلس بجوارها وناولها الزجاجة ثم وضع كوب القرفة أعلى الكومود مردداً:-
حطي المية على بطنك على لما الجرفة تبرد هبابة _ دقت أسارير السعادة قلبها من فرط حنيته، تقوس ثغرها بإبتسامة ممتنة وأردفت شاكرة إياه:-
متشكرة جوي يا طاهر
_ عقد ما بين حاجبيه بغرابة وهتف متسائلاً بفضول ذكوري:-
بتتشكريني على ايه؟ _ عللت مروة سبب امتنانها:-
أنك اهتميت وجبت لي اللي يهون وجعي _ حاول أن يزيل التكلف من بينهم بقوله:-
مفيهش حاجة أي راجل هيعمل أكده مع مرته _ اماءت له نافية ما قاله موضحة حقيقة اعتقاده:-
لاه مش كل راجل حنين كيف حنيتك ديي على مرته، حنيتك حلوة جوي أني حبيتها
_ تفاجئ طاهر بتصريحها الذي لا يعلم أهذا بمثابة تصريح لشخصه أم فقط لصفته، لن ينكر أن في كلتى الحالتين ليس مزعوجاً لكن هناك شيئاً ما دخله يريد تصريح واضح منها على حبها له، هو في أشد الحاجة إلى ذلك. _ ابتلع ريقه وهو يتخبط بين أفكاره التي تحثه على سؤالها وبين رفضه، فضوله قد تغلب عليه وسألها بإرتباك خجل:-
بتحبي حنيتي بس؟
_ سؤاله سبب لها الهياج في نبضاتها، هربت من نظره الذي ينتظر إجابتها وأخفضت بصرها في حياء، فركت أصابعها بتوتر بائن وهي تجمع شتات نفسها الذي تفرق، رفع طاهر وجهها بأنامله ليقابل عينيها مصراً على سماع إجابة واضحة منها. _ عضت على شفـ,ـتيها وبصعوبة بالغة قابلتها في إخراج الكلمات أخيراً أردفت بنبرة خافتة:-
وبحبك أنت كماني _ ظهرت شبح إبتسامة على ثغر طاهر وشعر أنه يود أن يكافئ تلك الشفاه التي صرحت بحبها له، لم يتردد في التودد إليها حيث انحنى على شفـ,ـتيها وانهال عليهم بقبلة رقيقة فوجئت بها مروة.
_ كانت تلك قُبلتهم الأولى، لم تحظي بها يوم زفافهم، كان أكثر نعومة ورقة سببت لها قشعريرة
قوية في ثائر بدنها، حاولت مسايرته رغم افتقارها إلى إتقان دورها، طالت قُبلته وكأنه يروي ظمأه، أخيراً ابتعد عنها حين شعر بالإكتفاء القليل وسألها باهتمام:-
بطنك عاملة إيه دلوك؟ _ أجابته بعكس ما تشعر به مختصرة فلا تريد إحزان قلبه الحنون:-
أحسن
_ لم تكون كذلك فلقد إزداد تشنج بطنها عن ذي قبل بسبب تصرفه المفاجئ، صغى كليهما إلى ندائات حمدان المتكررة على طاهر الذي توجه للخارج ملبياً ندائه بينما مروة خفق قلبها كأنها تعيش اللحظة ذاتها من جديد، أخرجتها تقلصات رحِمها من ذكراها الجميلة فالتقطت كوب القرفة وارتشفت منه القليل على أملاٍ أن يهدئ من ألامها. ______________________________________ _ عاد إلى السرايا بعد يوم شاق قضاه في عمله، أمرت السيدة نادرة بتحضير الغداء فور مجيئه، صعد هو إلى الأعلى يبدل ثيابه، استقبلته ورد بوجه عابس يعكس ما ورائه من مصيبة قد حدثت.
_ قطب جبينه بغرابة ولم يتردد في سؤالها قائلاً:-
مالك يا ورد حوصل حاجة؟ _ انفجرت به ورد بإنفعال:-
صاحبك ديه عديم الرجولة والنخوة بيتوعد مع بنتة الخلج ويلعب بيهم في وجت واحد أخدهم دوريات حضرته! _ امتعض مصطفى لنبرتها التي تحادثه بها وبنفس انفعالها حدثها:-
وطي حسك وأنتِ بتتحدتي معايا وتجصدي مين بالحديت ديه؟ _ أصدرت ورد قهقه ساخرة مجيبة إياه بمضضٍ:-
كانك مخابرش مين؟ إحنا بس نجولوا عديم النخوة تتفهم على طول أنه ضيف
_ استشف مصطفى الأمر لكنه مزعوج من نبرتها المرتفعة التي تهاجمه بها ناهيك عن سبابها لصديقه، لم يرضى تصرفاتها الغبية التي بدت عليها ونهرها بعصبية شديدة:-
جولت لك وطي حسك، وحاسبي على حديتك عنيه، ثم تعالي إهنه أنتِ مالك بيه عاد؟ _ اتسعت مقلتيها تلقائياً مبدية ذهولها من سؤاله الساذج وأوضحت له سبب تدخلها في الأمر:-
أني مالي؟ صفاء اللي لعب بيها ديي تبجي صحبتي وزعلها يهمني، والتانية اللي اتسلى بيها بردك تبجي بت عمي يبجي أدخل ولا لاه؟
_ بعصبية فاقت الحدود دوى صوته في الغرفة:-
لاه متدخليش، بت عمك ديي أقذر من إنك تخلطي نفسك بيها، بتجولي بت عمي بعجرفة جوي وهي شمال مشيها بطال هتركض ورا الرجالة! _ صعقت ورد لما يخبرها به، أبت تصديقه فمهما كان بينهن لن تصدق عنها افترائه الجرئ ونهرته معنفة:-
متجولش على بت عمي أكده واصل، صاحبك هو اللي خسيس و… _ قطع مصطفى كلماتها بوضعه راحة يده على فمها محذرها:-
صدجيني يا ورد لو خشمك ديه كمل حديته لهزعلك بالجامد
_ سحب يده وهو يطالعها بنظرات مشتعلة وأضاف متابعاً بنبرة أهدى لكنها حازمة:-
وبعد أكده وجت ما أدخل من الباب ديه ملجيش بوزك الأبرم ديه لأيتها سبب، وتاني مرة حِسك ميعلاش عليا اللهم بلغت اللهم فاشهد _ أولاها ظهره وأخذ جلباب أخر يبدل فيها عن التي باتت متسخة عليه، دخل للمرحاض وتنعم بإستحمام بارد لعله يهدئ من أعصابه المشدودة. _ خرج في حالة مهندمة غير التي كان عليها، وضع من قنينة عطره الخاص الذي انتشر في الأرجاء سريعاً، تعمد عدم النظر إليها فهو غاضب وبشدة منها، لقد قام بتدليلها بكثرة ولم يحسب أنه يخطئ في حق نفسه بفعله ذلك.
_ طُرق الباب من قِبل أحدهم فتوجه مصطفى نحوه بقامة منتصبة ووجه متجهم، فتح الباب فإذا بها صفية أخبرته بانتهائها من تحضير الغداء، انصرفت فور علمها بنزوله خلفها، وقف مصطفى مولي ورد ظهره وحدثها دون أن يتلفت:-
جومي عشان نتغدى _ عارضته ورد فأي طعام سيُهضم بعد مشادتهم أمام بعضهم والأحر أنه يحادثها وكأنه لا يوجد ثمة سوء تفاهم بينهم:-
مليش نفس للوكل _ كز هو على أسنانه ثم ألقى بحديثه في الوسط بنبرة صارمة:-
أني نازل ألاجيكي ورايا طوالي ومتخلنيش أعيد حديتي مرتين
_ انسحب للخارج وأغلق الباب خلفه، هبط الأدراج بملل كبير، فلم يهبطه بمفرده منذ أن توطدت العلاقة بينه وبين ورد، أزفر أنفاسه بضجر بائن حين تذكر أسلوبها الفظ معه. _ كان أول الجالسين على المائدة، انضمت إليه والدته متسائلة عن ورد باهتمام فلم يسبق له الجلوس بمفرده من دونها:-
فينها ورد منزلتش معاك ليه؟ _ أجابها وعينيه مثبتة على الطابق العلوي لعله يلمح طيفها:-
نازلة ورايا أهي ياما
_ حضر خليل هو الآخر وسأله عنها فأجابه بالحديث نفسه مثلما أجاب به على سؤال والدته، كان يهز قدميه بعصبية ناهيك عن الصوت الذي يصدره بأصابعه التي تنسدل على الطاولة واحدة تلو الأخر، _ لاحظ كليهما توتر حالة مصطفى وإلتزما الصمت حتى لا يسببوا له الضيق إذا لاحظ انتباههم لحالته المتوترة، هذا يكفي إلى ذاك الحد انتفض مصطفى من مقعده وكاد أن يهم بالصعود إليها لكنه تريث حين رآها تهبط أدراج السُلم، عاد لمقعده من جديد بينما ألقت عليهم ورد التحية فأجابها خليل ونادرة في نفسٍ واحد، شاركتهن الطاولة التي لم يتناولن عليها سوى الطعام فقط دون حديث.
______________________________________ _ جهزت السيدة سنية حقيبتها وجميع مستلزمات سفرها، وتممت على المنزل جيداً قبل أن تغادر، ركبت عربة ‘التوكتوك’ التي أوصلتها إلى سرايا العمدة، ترجلت منها وحملت حقيبتها بيدها وتوجهت إلى الداخل. _ قرعت رنين الجرس وانتظرت أمامه لحين استقبالها أحدهم، فتحت لها هويدا مرحبة بها بحفاوة:-
أهلا يا أم ورد اتفضلي _ بادلتها سنية إبتسامة رقيقة ثم خطت بقدمها إلى الداخل، كانوا قد انتهوا لتوهم من تناولهم للطعام، قطبت ورد جبينها حين رأت والدتها ومعها حقيبة سفرها، هرولت إليها في قلق وسألتها مستفسرة:-
اهلا يا أما ايه الشنط ديي أنتِ مسافرة ولا ايه؟
_ أقبلت عليهم السيدة نادرة برفقة مصطفى وقالت:-
همليها تاخد نفسها لاول يا ورد _ رحب بها خليل هاتفاً:-
كيف أحوالك يا أم ورد إن شالله تكوني بخير _ أجابته ممتنة:-
بخير الحمد لله يا عمدة _ رحبت بها السيدة نادرة وكذلك مصطفى ثم وجهت سنية بصرها على ورد التي لا تطيق الإنتظار لمعرفة سبب حملها لتلك الحقيبة:-
رايدة اتحدت وياكي يا ورد _ أماءت لها بقبول واصطحبتها إلى الأعلى حيث غرفتها، جلسن على الأريكة وبدأت سنية في حديثها متلعثمة لا تدري من أين تبدأ تحديداً:-
أني معاودة لدار خالك النهاردة
_ عقدت حاجبيها بغرابة فهي على علم بمكوثها لآخر ايام الأسبوع فما الذي جد؟، أسرعت في سؤالها بحيرة:-
مش جولتي هتجعدي إهنه لآخر السبوع! _ شهيقاً وزفيراً فعلت سنية لا تود إخبارها بما حدث لكنها مضطرة فلن ينطلي على ورد أي مبررات ستعلل بهم سبب ذهابها، فغرت فاها وبخذي واضح أردفت:-
حمدان الكلب اتهجم عليا لولا مرته اللي انقذتني من تحت يده _ لم تريد ورد تصديق تفكيرها العقيم وحاولت التأكد أولاً:-
اتهجم عليكي كيف يعني، مد يده عليكي؟
_ أخفضت السيدة سنية رأسها وبخجل مصحوب بالتقزز عقبت:-
لاه، اتهجم عليا يا ورد افهمي.. _ أصدرت ورد شهقة قوية كتمتها بوضعها ليدها على فمها، جحظت عينيها بصدمة جلية انعكست على تعابيرها، بعد ثوانٍ عادت إلى صوابها وسألتها بخوف:-
أنتِ زينة طالك أذى منيه؟ _ حركت سنية رأسها نافية أسئلة ورد التي انتفضت من مقعدها متوعدة لذاك الدنئ أشر الوعيد:-
والله لأجطعه نثاير النجس ديه وأعرفه أن الله حج
_ أسرعت سنية في إيقافها عما تنوي فعله:-
لاه يا ورد لاه ديه بالذات مليكش صالح بيه واصل، لا ترمي له السلام ولا حتى تعاديه، ديه عقابه عند ربنا يابتي هو مُطلع وجادر يخسف بيه الأرض

