
بعد مرور شهران….. كانت نجمه ممددة على فراشها ممسكة بهاتفها تتلاعب به وتلك الابتسامة تزين ثغرها أثناء عبثها بصورة سليم على شاشة الهاتف لتُكبرها… تسأل نفسها متى استسلمت لهوج تلك العاطفة ؟!…
لقد حارب سليم مخاوفها بمواقفه الرجولية التلقائية، محى شبح تلك الصورة التي كانت مرسومة بعقلها عن شخصيته كضابط.
حتى في أكثر لحظاته جنونًا وتهورًا عندما أتى بها وبأهلها إلى قسم الشرطة لم يستغل ضعفها ليتزوج بها رغم توقعها لذلك، بل أدركت حرص سليم الكبير على ألا يزرع خوف داخلها تجاهه هو لا يريدها خائفة ابدًا بل يريدها راضية بكامل ارادتها…!
وها هي أعلنت رضوخها لتلك النبضات الجاهرة العصية … وما أروعه حينما يكون الاستسلام لــ “سليم ” .. المتعجرف دومًا بامتلاكه لها.
تنهدت لا تصدق حتى تلك اللحظة أن مشاعره اجتاحتها حتى تشجعت أمام نفسها بل أقوى هي صارحت “دنيا” رمز مخاوفها وهواجسها نعم كانت مكالمة قصيرة ولم تكن دنيا راضية لكنها شعرت بانتصار كبير وبأنها كسرت حاجز غبي خفي عن الأعين داخلها…
هي فخورة بنفسها لأنها صارحتها بمشاعرها نحو سليم بل ودافعت عنه.. دافعت عنه وكأنها تدافع عنه ضد هاجسها.
لوت ثغرها في تذمر فقد مر شهران عليهما يتحدثان فيهما كل لحظة من اليوم، تطورت فيها علاقتهما إلى الأفضل، ومع ذلك هو لم يصارحها مرة بحبه صراحةً أو يطالب بالزواج منها كما كان يفعل في أسوأ احوالهما.
انتفضت نجمة من افكارها فكالعادة كلما تذكرته حضر، نظرت للهاتف المهتز معلنًا عن اتصاله، وتلك الابتسامة التي تخصه بها وحده عادت لتجد مكانها على ثغرها، ثم اجابت وهي تستحضر صوتها العذب: -ايوه يا سليم. شاكسها الاخر متمتمًا: -عليكي واحدة سليم بتجيب أجلي!
ضحكت برقة ولم تعلق، ليكمل سليم في حنو: -وحشتيني يا نجمة. تمتمت نجمه مجيبة في خجل: -امم، ميرسي. ارتفع حاجبي سليم مستنكرًا وكأنها تراه وأستطرد: -إيه ميرسي دي ان شاء الله؟
لا اظبطي كده لاظبطك، أقولك وحشتيني تقوليلي وأنت وحشتني يا سليم يا حبيبي! كبحت نجمه ضحكتها بصعوبة، ثم سألته في مكر مغيرة الموضوع: -خلصت شغلك؟ تنهد سليم مبتسمًا يعشقك دلالها وقد أدرك محاولتها لتغيير الموضوع: -ايوه ياستي خلصته، بس عندي شغل تاني أهم بكتير.
سألته نجمه عاقدة حاجبيها بعدم فهم: -شغل إيه اللي أهم؟ حك سليم ذقنه النامية ثم أجاب بصوت أجش مُذبذب موقفًا محرك السيارة بعد أن كان يسير في المنطقة التي تقطن بها نجمة، وتحديدًا أمام بنايتها ولكنه لن يخبرها بذلك كي لا تظنه مختلًا نفسيًا يطاردها أو شيء من هذا القبيل، سعل سليم في خفة يزيل الحرج من أفعاله عن صوته قبل أن يخبرها في صراحة: -في موضوع كده شاغلني أوي ومش عارف أعمل إيه بجد تعبت منه!
-موضوع إيه؟! ما تتكلم من غير ألغاز يا سليم مالك ؟ الفصل السابع والأخير:
تنهد سليم بقوة، بعد إرهاق دام أكثر من شهران … شهران … يستنزفه ذلك التردد الذي لم يُعرف عنه ابدًا … شهران … وكل تفكيره مُنصب عليها فقط… على نجمته التي أرقت منامه وأشعلت فتيل عشقها بين ضلوعه التي كلما حاول تجاهله أحس بذلك الصهد يحرق روحه حرقًا.
شهران … ولعنة التفكير تلاحقه، فبعد أن تخلص من جلد الذات وزالت مخاوفه من نظرتها فيه أنه أصبح مُستغلًا لسلطته بعد ما فعله معها ومع أهلها، بعثت له لعنته قلقًا جديدًا يحيره بأنه ان اتخذ خطوة الآن ستكون موافقتها نابعة من رد الجميل بعد وقوفه معها في محنتها.
تلك النجمة أتت إلى حياته كشهاب لاهب سقط على محور أرضه ليُذيبها مخلفًا خلفه شخصيته القديمة التي لم تكن تنتمي لتلك الشخصية الجديدة التي جعلته عليها أبدًا..
فقد كان يُكرس حياته لعمله فقط، يكدح فيه ويخرج كل جهوده من أجل الارتقاء في وظيفته ورسم الفخر على وجوة أسرته، لكنه الآن اصبح هدف ثانوي لم يعد يؤديه على أكمل وجه كما كان
وقد أصبحت نجمته.. ” نجمة الباشا ” أكثر أهمية من نجوم الشرطة التي كان يسعى لزيادتها على كتفه …!!
-سليم أنت لسه معايا؟ قطع أفكاره صوتها الهادئ الذي يحمل في طياته القلق، فكسر سليم مخاوفه أخيرًا وأطلق سراح الحروف من بين شفتاه في حزم: -نجمة أنا بحبك، بحبك وحبك سيطر عليا خلاص، اتجوزيني يا نجمة ؟! لحظات من السكون التام وكأن تلك النبضات العالية الصاخبة صْمت أذناها عن كل شيء حولها إلا من تلك الكلمات .. تلك الكلمات التي لم تتوقع أن تثور لها انفاسها في حرارة أنستها أنها في الشتاء القارص.
ولكن أتاها صوته المتلاعب المخلوط بتوتر يحاول اخفاءه في مكر وهو يتابع:
-السكوت علامة الرضا؟ ضحكت نجمه في رقة وقد أكدت بتلك الضحكة ما يسعى له قلبه جاهدًا، وسمعها تغرد في ميوعتها المعتادة: -رغم ان الصيغة آمر أكتر منها طلب، بس أنا موافقة.

