
استدار معها ساحبًا لها خلفه تحت أعين عناصر الشرطة المتسائلة والمجرمين المتعجبة، كانت تركض تكاد تسبقه وتجذبه هي خلفها، فشد على يديها يوقف تقدمها ثم ادخلها برفق نحو مكتبة.
أجلسها أمامه واعطاها كوب من العصير الخاص به، ثم جلس أمامها مستطرد في مشاكسة املًا في تخفيف ذبذبات خوفها: -لما أنتي جبانه كده عامله نفسك بسبع رجالة ليه؟
زمت نجمه شفتاها ونظرت لأسفل دون إجابة، بينما استمر سليم يطالعها يحاول ازاله ضباب الغيرة المجنونة عن مخيلته.
عضت نجمة فوق شفتيها دون حديث فداخلها مضطرب متذبذب ما بين الخوف من مخالفته والعودة لكونه سليم المجنون بها، مع لمحة من الرضا المريب بفعلته السوداء.
ترجم سليم ذبذباتها كخوف مطلق وشعر بصدره يضيق لرؤيته الخوف يتملكها منه، حرك أصابعه فوق وجهه في حدة وقد طارت روح المشاكسات تمامًا من الموقف. -أيه؟!
انتفضت نجمة المتسائلة بتلقائية في توجس تراقب تحركاته عن كثب وكأنه سيقفز عليها أي لحظة، عض شفتيه وقد اشعلت حركتها غضبه على نفسه وعليها لأنها من أوصلتهم لذلك الطريق فوجد نفسه يتهمها في حدة: -مبسوطة دلوقتي وانا بثبتلك ان الضباط جبروت مش كده؟
فرحانه انك وصلتيني أعمل حاجة عمري ما تخيلت اني أعملها! طالعته في صمت واستسلام لا تزال تشعر بالخطر والارتباك من اتهاماته، فازداد غيظه من صمتها الذي كان هو سببًا فيه وهتف مؤكدًا:
-أنا مش كده وعمري ما مشيت ورا رغباتي الشخصية وعلى فكرة كل مهنه فيها الشريف والفاسد،
لكن انتي مش عايزة تشوفي غير اللي يرضي جنونك وضغطتي عليا لحد ما وصلتيني لكده! أخفضت نجمة بصرها ترغب في البكاء ولا تريد التفكير في صحة كلماته، ولا تريد اخباره انه برغم ما يحدث إلا انها متأكدة انه ليس بشخص سيء وانها تثق في انفعالاته فهو في أسوأ لحظات جنونه يحاكم نفسه قبل محاكمتها: -أنا مجرد انسان يعني وارد أغلط أنا مش مثالي ولا نبي،
لكن أنتي وجودك في حياتي لعنة وغلطتي الوحيدة اني مش قادر أسيبك!
حرك أصبعه في الهواء يؤكد كلماته للفراغ فأغلقت عيناها باتت لا تعرف أيحادثها هي أم يحادث نفسه، لا تدري كيف تلبسها البرود وقتها لكنها ارتشفت كوب العصير دفعة واحدة ثم رفعت رأسها تتمتم في خفوت: -رجعني عند ماما وبابا زمانهم قلقانين. عم الصمت المكان حولهما حتى قطعه سليم حين هز رأسه مرتين عاجز عن فهمها أو فهم نفسه من الأساس، تحرك نحو الباب لكنه عادة مرة أخرى خاتمًا كلماته: -الإنسان لما بيكون قدام متصيد للأخطاء مش بتطلع منه حاجة صح!
خليكي هنا انا هخرج اجبهم وانهي الحوار.
اخبرها سليم وهو يحارب شعوره بتأنيب الضمير فما حدث قد حدث وانتهى الأمر لكن نجمة السائلة في تردد اوقفته: -طيب وال … العريس؟ حينها تبخر كل شعوره بالذنب وتأجج على حافة ملامحه ذلك الوحش مسلوب التفكير المعمى بالغيرة: -متختبريش صبري يا نجمة،
ولو صعبان عليكي، تحبي تونسيه؟ حركت نجمه رأسها نافية في عن.ف وبتلقائية تامة دون مبرر خرجت منها ضحكة بلهاء تفصح عن جنون المشاعر المضطربة داخلها، قائلة: -لا ما يبقى وحيد عادي!
ارتفع حاجب سليم غير قادر على فك الإشارات التي تعطيها له تلك الشقية التي وقع صريع عشقها وكأنها لم تلاحظ مشهد خوار قواه ونفاذ صبره منذ قليل، تحرك في صمت مغادرًا لإصلاح جنونه مع عائلتها.
أما نجمة فكانت تشعر بأعاصير من فرط الانف.عال والخ.وف الذي مرت به منذ لحظات ولكن في عبق تلك الانفعالات والمخاوف الجلية كان هناك فتيل اشتعل بين ضلوعها يُنير ما كانت تحاول اطفائه تجاه سليم..
فهناك رضا مريب بفعلته حتى وإن كان الجنون سمتها..
ترى هل المشكلة به أم بها لتشعر بمثل هذا الشعور؟!!
***** الفصل السادس: أغلق “سليم” الهاتف مع المأمور بعد أن أخبره بتأجيل طلب أجازته في الوقت الحالي، تنهد بينما يفرك عينيه المنغلقة يشعر أن الآم رأسه قد زادت، عض شفتيه في آسى فقد مر أسبوعين منذ تلك الليلة التي جن جنون غيرته فيها بسبب نجمة، ولم يتذوق فيهما طعم النوم مع الهاجس التي زرعته نجمة ملتهمًا ما تبقى من عقله.
يشعر بتأنيب ضمير قاتل كلما تذكر الذعر الخام داخل مقلتيها صحيح أنه تراجع عن لعبته معها ما أراده هو تطبيق المقولة المتبعة في مجاله “قرصة ودن” كي لا تنساق وراء جنونها وتفقده هو صوابه، ليكتشف بعدها انه فاقد لصوابه بالفعل فـ نجمة حبيبته وليست أحد المجرمين ليفعل فعلته تلك.

