
_ ألقى بحديثه ثم أولاها ظهره وصعد إلى غرفته وتركها تستوعب ما قاله بمفردها، لم ترفع بصرها من على طيفه الذي بدأ يختفي رويداً من أمامها، تطالعه بعدم تصديق أحقاً وافق على تريده؟ كان الحظ حليفها تلك المرة ونجحت في شئ تخطط له، وها هي نجحت في أولى مخططتها التي رسمته لكي توقع ضيف في شر أعماله فهو من جني على نفسه بالتسلية بها إذا فليتحمل قذارتها التي تنوي فعلها .. _ دقت أسارير السعادة قلبها من خلف موافقة طاهر، تقوس ثغرها ببسمة عريضة انعكاس لسعادتها الداخلية، نظرت حيث اختفى وهتفت بحماس:-
سيب الموضوع ده عليا يا خوي _ أخفضت من نظرها وواصلت حديثها هامسه وهي تكز عل أسنانها بحقد:- متجلجلش هيمشي كيف ما رتبت له صوح!! في اليوم التالي، استيقظت ورد من الصباح الباكر وارتدت إحدى عبائتها الملونة التي تليق مع بشرتها وضفرت خصلاتها التي أضافت لوجهها بهجة وجمال، ترددت في وضع بعض المساحيق التجميلية لكنها رفضت فجمال ملامحها الطبيعية أحلى بكثير من أن تعكرها بمساحيق صناعية، فاكتفت بوضع مرطب شفاه أضاء من شفاها الوردية …
_ هبطت السُلم وهي تدندن بنشاط وحيوية على غير العادة وولجت للمطبخ المقصود الوصول إليه، رحبت بها صفية بحفاوة:- طلتك ولا الجمر يا ورد _ ابتسمت لها ورد بحياء وأردفت برقة:- ربنا يخليكي يا صفية _ بحث ورد بعينيها يميناً ويساراً وسألتها باهتمام:- فينها صفاء السرايا ملهاش حِس عاد _ قهقهت صفية وأخبرتها بمكانها:- والله عنديكي حج يابتي الهدوء موجود مطرح ماتكون غايبة عنيه، هي في جامعتها وزمناتها راچعة _ دعت لها ورد بحب:- ترجع بالسلامة، بس جوليلي فين الوكل عشان ناوية أحضر الفطور النهاردة بيدي
_ ابتسمت لها صفية وبدأت تحضر ما تطلبه ورد وكانت مساعدتها اليوم تتابعها باهتمام على الرغم من كونها طباخة يشهد لها الجميع إلا أنها أعجبت بطريقة تحضير ورد للفطور ورسمه في الصحون كأنه تحفة فنية، حتماً سيحرص الجميع في الاقتراب منه خشية أن يمحو جماله .. ______________________________________ _ في الاعلى، استيقظت السيدة نادرة قبل زوجها وعزمت بأن تحـ,ـادث مصطفى وتعارض تصرفاته الحمقاء التي فعلها بالأمس، طرقت بابه بخفة وولجت للغرفة حين سمح لها .. _ كان قد انتهى من ارتدائه للجلباب، استدار إليها قائلاً:-
صباح الخير ياما _ ردت عليه بنبرة جامدة:- صباح النور يا مصطفى _ أضاق عينه عليها لتلك اللهجة المريبة التي تحـ,ـادثه بها، جلست هي على طرف الفراش وبدأت حديثها معاتبة بوجه محتقن:- اللي حوصل جبل اليوم ديه مش على هوايا ديه وعدك ليا أنك هطليجها! بدل ما تباعِدها عنك تجوم تجلعها وشاحها وتشوفها كماني؟! لاه واللي يفور الدم أنك تمنع الغفر من دخول السرايا إلا بإستئذان وديه من ميتي إن شاءالله؟ كانك اعتبرتها مرتك بحج وحجيجي!!
_ أسرع مصطفى بالرفض لتوقعها:- لاه، حديت إيه اللي عتجولي ديه كل الحكاية إني رايد أرضي أبوي أنتِ مشوفتيش فرحته كانت مش سيعاه كيف لما عملت اللي عملته؟ _ نهضت عن مقعدها وتابعت رفضها الجلي للأمر:- ولو، البت ديى مينفعش معاها حنية واصل أني مطيجهاش من وجت ما خوك هرب منيها ليلة دخلته وبعدها بيوم اتجتل وهاه لساتنا موصلناش للجاتل وهي عايشة حياتها ٢٤ جيراط مش هاممها حد واصل وبلي عملته ديه هتديها فرصة تزود في عمايلها..
_ وقف عقل مصطفى عند تذكيرها لمشاركة رجل غيره فيها، لقد دعست على جرحه ولم تكترث، شعر بالنفور من ورد فهي لم تخلق له وحده بل كان الرجل الثاني في حياتها، ضغط على أسنانها بعصبية فلقد تعقدت الأمور بفضله بعد أفعاله بالأمس بالتأكيد خُـيل لها أنه تقـ,ـبلها زوجة له، لكن لا سيذكرها بمن تكون هي حتى تعود إلي رشدها وتعرف مكانتها جيداً.. _ هبط كليهما إلى الطابق الأول وفوجئوا بإحضار مالذ وطاب ووجود جميع الأصناف التي يحبونها قد ملئت الطاولة بشكل حضاري رائع، انتبهوا لصوته المتحشرج من خلفهم:-
واه إيه كل الوكل اللي يفتح النفس ديه مين اللي راضي عنينا النهاردة؟ _ أجابته صفية وهي تضع أخر صحن قد أعددته ورد:- ديه كله تحضير ورد أني مليش صالح عاد بيه _ ظهرت ورد من خلفها مبتسمة بحياء يكسو وجهها بالحُمرة، خفق قلب مصطفى بطلتها الجميلة التي لا تفشل في قلب كيانه، بينما لم تهتز خصلة للسيدة نادرة بل نظرت إلى صفية وأمرتها بحدة:- جبيلي صحن مالح وفوجيها طماطماية همي _ ردت عليها صفية بعفوية:-
ورد أصرت تعرِف أنتِ بتحبي إيه عشان تعملهولك بيدها والعجة اللي بتحبيها أهي _ نهرتها نادرة بعصبية شديدة:- جولتلك هاتيلي صحن مالح يبجي مترطرطيش حديت ملوش عازة _ رمقتها صفية مستاءة من تصرفها وعادت إلى المطبخ تحضر ما طلبته بينما لم تبعد ورد نظريها عنها فهي تشعر بالحرج الشديد من طلبها التي أعلنت به رفضها لتناول طعامها، خرجت من شرودها على شُكر خليل لها:- تسلم يدك يابتي الوكل جميل اجعدي كُلي
_ رسمت بسمة متهكمة على محياها ثم اقتربت من مقعدها وجلست أعلاه، رفعت بصرها على مصطفى في انتظار جلوسه بجوارها لكنها تفاجئت به يتوجه إلى باب السرايا، هو يريد مشاركتهم المائدة لكن حديث والدته لا يقـ,ـتلع من عقله ويتردد صداه داخله كلما وجد لنفسه حجةٍ يقترب بها منها .. ”مصطفى” _ نادته بنبرتها المبحوحة التي أربكته وتوقف إثرها، اقتربت منه ووقفت أمامه حين لم يستدير لها وـ,ـحـ,ـادثته بحزن مرسوم علي تقاسيمها:- رايح على فين من غير ما تفطر مرايدش تاكل من يدي؟
_ تبخر تمرده حين شعر بالحزن الذي يشع من زرقاوتاها ناهيك عن نبرتها التي نجحت في محي أي ذرة غضب داخله ؛ أحقاً جائت وبكل سهولة بخرت عصيانه وغضبه في ثوانٍ، أهذا هو مصطفى عقل الحجر الذي لا يلين ولو انقلبت السماء على الأرض! _ لم يشعر بنفسه سوى وهو يجيبها بنبرة هادئة:- كنت هشوف الغفر لو محتاجين حاچة.. _ انعكست تعابيرها تماماً عن ذي قبل حيث ظهرت سعادتها لكونه لم يرفض مشاركتهم الفطور، دقت طبول قلبه بتلك الإبتسامة التي تبسمتها فقط من أجله، عادت ورد إلى مقعدها وهو خلفها دون تفكير..
_ رفعت السيدة نادرة حاجبيها مستنكرة عودته بتلك السهولة، لم تستطع المشاهدة دون تعكير صفو تلك اللعينة وخرجت عن صمتها موجهة حديثها إلى مصطفة:- كانك عاودت تاني يا مصطفى؟ _ أجابها مختصراً:- هفطر يا اما جعان _ اتسعت مقلتيها بذهولٍ ورددت بتهكم:- كُل يا جلب أمك كُل تلاجيك هفتان _ تدخل خليل ناهياً سخافاتها:- اجعدي كلي يا نادرة وبلاها حديت معرفينش ناكل لجمة _ أخذت نادرة الصينية من صفية وقالت وهي توليهم ظهرها:- المكان خنجة جوي هفطر في أوضتي فيها هوي يرد الروح
_ حرك خليل رأسه باستنكار لتصرفاتها الخرقاء التي لا تنتهي، لكنه لن يعكر صفوه فهناك أطعمة كثيرة لابد من تناولها بشهية مفتوحة .. _ انتهوا من تناول الطعام وأستاذن مصطفى للذهاب إلى عمله، نادت ورد على صفية قائلة:- هاتي اللي حضرناه يا صفية _ حضرت صفية ومعها كيس بلاستيكي وناولته لورد التي لحقت بمصطفى قبل أن يغادر وأوقفته بقولها:- اتفضل ، أنت بتتأخر وأكيد بتتعب في الشغل لازمن تاكلك حاچة عشان تجدر تصلب طولك _ عارض تصرفها مستاءً:-
لاه مهينفعش أكل وسط الفلاحين وهما معياكلوش _ أسرعت ورد بإلقاء حل سريع:- ثواني نحضرلهم كلاتهم واكل _ لحق بها مصطفى قبل أن تغادر بمسكه ذراعه، أخفضت ورد بصرها على قبضته فأسرع هو بسحب يده إلى جانبه وأوضح تصرفه:- الفلاحين كاتير فوج ال ٣٠٠ فلاح بيشتغل في الأرض مينفعش تحضري واكل لكل دول، متشغليش نفسك بيا أني زين _ رمقته بحزن فهي من أحضرت له الطعام والآن هو من يرفض أخذه، أولاها مصطفى ظهره وسار نحو الباب عدة خطوات ثم استدار إليها فرأى معالم الخيبة على تقاسيمها، عاد إليها وأخذ العُلبة من بين يديها ثم غادر دون إضافة المزيد ..
_ دقت طبول السعادة قلب ورد لفعلته وتقوس ثغرها بإبتسامة عذبة، عادت إلى أرض الواقع على صوت نادرة التي دوى في الأرجاء:- كانك بلي بتعمليه ديه مفكره هتكسبيه لصحالك!! _ استدارت إليها ورد لتتابع نادرة حديثها معنفة:- تبجي بتحلمي، أني ولدي راچل ومهيخيلش عليه حركات البنتة البطالة ديي _ أولاتها السيدة نادرة ظهرها وقبل أن تخطو للأمام أوقفتها ورد متسائلة بفضول:- صدر مني حاچة عفشة تخليكي تعامليني أكده؟ _ حركت نادرة رأسها لليمين قليلاً وأجابتها باستعلاء دون أن تنظر إليها:-
مشيفاكيش تليجي بمجام ولدي!! _ لم تتفاجئ ورد بما قالته فلقد سبق وقالت الحديث نفسه لكنها لا تفهم لماذا رضيت بها في بادئ الأمر؟ _ شعرت بعدم الرغبة في شيئ، فقدت رونقها وحماسها لطالما تحلت به منذ استيقظاها إلى أن عكرت تلك المرأة صفوها، عادت إلى غرفتها بخيبة أمل سكنت قلبها وأطفئت من روحها لا تدري ما الخطأ الذي اقترفته لتنال كل هذا النصيب ذو الحظ السيء… ______________________________________
_ أسرعت في خطاها والابتسامة لا تختفي من على وجهها بانتصار لنجاح أولى خطتها وسيرها على ما يُمرام، فتحت بوابة المنزل الصغيرة ورمقت المنزل بوجه ملئ بالدماء النشيطة من فرط حماسها فهي لا تطيق السنتيمرات التي تبعدها عن إكمال خطتها الداهية.. _ قرعت الجرس وانتظرت أمامه بفروغ صبر، فُتح لها الباب من قِبل ”ضيف” الذي انعكست تقاسيمه وتحولت إلى الغضب ما أن رآها أمامه، التفت برأسه للخلف يتفحص المكان جيداً ثم أعاد النظر إليها وهمس لها بوجه محتقن تفور به الدماء:-
إيه اللي جابك إهنه يا وجه البرص إنتي؟ _ لم تعيره صباح إهتمام ودنت منه هامسة بفتورٍ:- سبج وجولتلي ملكيش صالح عاد بيا وأني دلوك اللي بجولك ملكش صالح بيا _ رفعت ذراعها ووضعته على كتفه مُبعدة إياه لكي تمر للداخل، نادت بعلو صوتها ما أن توسطت الردهة:- مروة يا مروة _ حضرت مروة إلى مصدر الصوت فتفاجئت بصباح، رسمت بسمة على وجهها واقتربت منها مرحبة بها:- الدار نورت إلك زمن معتاجيش عندينا _ بعتاب زائف أجابتها الأخرى:-
كنتي أنتِ سألتي يعني يا ندلة، يلا ممنوش العتاب دلوك أني رايدة اتحدت معاكي في موضوع _ أضاقت مروة عينيها بغرابة ولم تستطيع الصمود وسألتها والفضول يتآكلها:- إيه هو الموضوع؟ _ نظرت صباح علي ضيف الذي يتابع حوارهما باهتمام بائن وأردفت:- مهينفعش إهنه تعالي في أوضتك _ تعلقت صباح في ذراع مروة ثم ساروا معاً إلى غرفة مروة بينما كز ضيف على أسنانه بضيق شديد فتصرفاتها لا تروق له وبالتأكيد لن يأتي من خلفها سوى المتاعب ..
_ لمح طيف والده وهو يهبط الأدراج متكأ على عصاه فلم يريد المغادرة قبل أن يعيد تكرار طلبه لعله يؤثر عليه تلك المرة في عدم وجود والدته .. _ انتظر حين جلس في مقعده الخاص في الردهة ثم سحب شهيقاً عميق وهو يستعد لتلك المواجهة الحاسمة، أخرج زفيره على بطئ ثم توجه نحوه بخطى متريثة، ألقى عليه التحية ومن ثم بدأ فيما يريده بنبرة متلعثمة:- حديثنا مخلصش يا بوي، لساتني عند كلامي ورايد اتجدم لصفاء..
_ حرك والده رأسه وطالعه بملامح جامدة فأسبق ضيف بالتأثير عليه قبل أن يتلقي رفضه:- يا بوي صفاء بت زينة وأخلاجها عالية وتعليمها كمان عالي يعني دي اللي تليج بيا وبعيلة الحمايدي مش واحدة من عيلة كابيرة وهي نفسها صفاتها ونعتها عفشين!! _ نفخ الحاج حنفي بإمتعاض وبفتورٍ قال:- جولت لاه ي… _ قاطعه ضيف حين ركع أمامه وهو يتوسله بنبرة لحوحة:- أبـ,ـوس يدك مترفضش جبل ما تعرفها اني جلبي مرايدش غيرها، ولو رفضتها صدجني مهاشوفش واحدة غيرها واصل
_ انتفض الحاج حنفي من مقعده وضرب بعصاه الأرض مبدي غضبه وهتف بإنفعال بالغ:- اعتبر ده تهديد ولا ايه يا ولد الحمايدي؟ _ اعتدل ضيف في وقفته وطالعه بنظرات تتوسله بإشاراته التي يتمني أن يرأف به من خلفها وأجابه بنبرة منسكرة:- مش تهديد يا بوي بس أني مشايفش غيرها تنفع تكون مرتي وعلى إسمي وأني مش هينفع يتغصب عليه الجواز كيف البنتة.

