
بكت بشدة حتى ارتفعت شهقاتها، واهتز جسدها ولم تشعر بساقيها التي توقفت لتنهار على الأرض..توقفت سيارة بجوارها وترجلت منها متجهةً إليها: قومي تعالي معايا..رفعت نظرها بعينيها المغرورقتين ولم تكن صورتها واضحة فتساءلت: -إنتِ مين؟..اقتربت منها تتلفت حولها، ثم انحنت تساعدها على الوقوف وفتحت باب السيارة: -لازم نمشي من هنا فورًا، قدامنا عشر دقايق نكون في المطار لو عايزة تنتقمي منه، قالتها غنى وهي تحاول مساعدتها.. -أنا شوفتك قبل كدا بس مش فاكرة..سحبتها غنى تنظر حولها حتى استقلت السيارة وأرسلت رسالة إلى راكان:
-الحمد لله ياأبيه..
جلس بعد خروجها وكأنه يجلس على نيران متقدة ينتظر رسالة غنى.. جلست بجواره نورسين.. -هتسبها كدا؟..مش المفروض تلحقها لتعمل حاجة في نفسها..نفث تبغه وكأنه لم يهتم بحديثها: -أنا أخدت اللي عايزه وبس، هي أكيد هترجع القاهرة عشان تاخد أمير، بس أنا سبقتها بخطوة وماما سافرت بأمير مكان متعرفوش. قامت بإشعال سيجارها ووضعت ساقًا فوق الأخرى: -يتخاف منك ياراكي..اتجه بنظراتٍ قاتمة يدقق النظر بداخل مقلتيها: -طب خافي على نفسك، أصلي أولع فيكي..اقتربت وهي تنظر لعضلاته تتلمسها بوقاحة، فنهض كالذي لدغه ثعبان قائلًا:
-هاتي القميص، بردت، الجو صعب إيه معندكيش إحساس؟.. ضـ,ـربت قدمها بالأرض وتحركت: -حاضر هجبلك القميص، تنهد وهو يقرأ الرسالة، ثم أرسلت صورة لها وهي تستند برأسها على نافذة السيارة.. حرك أنامله يتحسس وجهها الباكي، أغلق الهاتف ووضعه على المنضدة يحاول السيطرة على نفسه حتى لايدخل لتلك الأفعى ويخنقها.. بالداخل أمسكت هاتفها: -مقولتش ليه ليلى جاية على الشاليه؟..ارتشف من كأسه الذي يُوضع به ماحرم الله مردفًا: -كنت عايزها تمسكه متلبس ياروحي..صرخت بوجهه: -حمار ياأمجد، دي جت وأُغمى عليها ومشيت، وطبعًا هو هيمشي ومش هيبات، ربنا ياخدك ياأخي..
نظر إلى السيارة المصفوفة متسائلًا: -ليه هي ليلى خرجت؟..جحظت عيناها متسائلة: -يعني إنتَ مش أخدتها دلوقتي؟..دي خرجت من شوية، روح على شقتها وخلص المهمة قبل مايروح، أنا عارفة راكان هيمشي وراها أنا شوفته كان مضايق، مهما يخبي بس حاسة إنه هيموـ,ـت ويلحقها.. -ليه مش إنتِ بتقولي هو عايز الولد بس؟.. أرجعت خصلاتها بعنف وصاحت غاضبة: -راكان محدش يعرف بيفكر في إيه مستحيل لاسيب حاجة للظروف..اتصرف ياأمجد.. خرجت وجدته يستمع للموسيقى ويتناول الفواكه وهو يتصفح هاتفه وابتسامة على وجهه..ضيقت عيناها مقتربةً منه:
-راكان إنت مش هتمشي تلحق ليلى؟..رفع نظره إليها: -هو مش أنا قولتلك اللي عايزه أخدته، ليلى معدتش تهمني..تعالي ياحبي شوفي قمصان النوم دي عجبتني..تحركت تجلس على ساقيه تضمُّ وجهه: -بجد ياراكان إنت عايز الحاجات دي؟..رمقها بعينيه وتحدث من بين أسنانه: -انزلي من على رجلي، اتجننتي من إمتى وإنتِ بتقعدي كدا؟..وكأنها لم تستمع له فدنت منه: -راكان أنا بحبك، إنتَ ليه بتبعدني كدا، إحنا هنتجوز خلاص بعد كام يوم..هب ناهضًا مبتعدًا: -ومن إمتى وإنتِ بتقربي مني كدا، لحد ماتكوني مراتي تحترمي حدودك، قالها بغضبٍ حارق يحرق أحشائه كاملًا..
جذب قميصه وتحرك للشرفة يجلس بالبرد، وكأنه يحتاج لتلك الصاعقة الباردة حتى تثلج روحه التي كالفوهة البركانية، وذهنه منشغلًا بزوجته.. عند ليلى..
توقفت السيارة وهي مازالت تضع رأسها على النافذة لم تشعر بشيء، تتذكر ما رأته، كيف لرجلٍ أن يرسم الخداع بتلك الطريقة؟..نظرت إليها غنى بنظراتٍ متألمة على حالتها، فقاطعت شرودها: -ليلى انزلي، لازم نسافر دلوقتي..اتجهت بنظرها إليها: -إنتِ عايزة مني إيه، وليه وخداني؟..أنا مش هروح في حتة. اتجهت تفتح الباب، أمسكتها غنى: – مفكرتيش إزاي وصلتلك؟..انزلي ياليلى، جوزك عايز يطمن عليكي.
-أنا مش نازلة، روحي قوليله مهما يعمل مش هسامحه.. -حتى لو قولتلك هوديكي لابنك، إحنا رايحين عند أمير..انبثقت دمعة غادرة من طرفي عينيها فسقطت على وجنتيها مردفةً بصوتٍ متقطع: -هو أخده مني، لازم أرجع عشان أخده قبل ماييجي..أمسكت غنى هاتفها وفتحته متحدثةً بالهاتف مع أحدهم: -طنط ممكن تتكلمي مع ليلى، لأنها قلقانة على أمير..أمسكت الهاتف بيد مرتعشة وهي ترى صورة أمير الذي يلعب أمام زينب، فبكت بصوتٍ مرتفع تضع كفيها على شفتيها: -أمير ياحبيب ماما..تحدثت زينب:
-متخافيش على أمير ياليلى، إحنا في السعودية حبيبتي هنستنى للحج أنا وميرو حبيبي، بس متعرَّفيش حد، واسمعي كلام جوزك هو خايف عليكي..سقط الهاتف من يديها تنظر حولها بضياعٍ قائلة: -هو إيه اللي بيحصل؟..أنا شوفته بيخوني..سحبتها غنى متجهةً لداخل المطار: -دا هو هيفهمه ليكي، المهم لازم نتحرك لحد ماتتقابلوا، وهو مش خانك ولا حاجة بدليل وجودي معاكي هنا، وتليفون طنط زينب، وطبعًا الرسالة هو أصلًا بعتهالك من تليفون أخته..دا اللي أقدر أقوله.. أمسكت هاتفها سريعًا عندما تذكرت الرسالة، قامت الاتصال بسيلين:
-سيلين إنتِ فين؟..أجابتها سيلين: -ليلى أنا آسفة على الكلام اللي قولته، طمنيني على البيبي، وأخبار أبيه راكان إيه؟..قوليله أنا بحبه أوي ومكنش قصدي أزعله.. -سيلين تليفونك معاكي؟..ردت سيلين حديثها متسائلة: -بتسألي على التليفون ليه؟! أجابتها بتريث: -إنتِ بعتيلي رسالة النهاردة؟..هزت سيلين رأسها بالنفي: -لا ياليلى، بس سارة بنت عمي كانت بتعمل مكالمة منه..دقات عنيفة أصابت جسدها: -يعني دا كان ملعوب عليا!..سحبتها غنى: -لو سمحتي لازم نمشي عشان الطيارة..تحركت معها وعقلها ينشغل بكل ماتذكرته، تربط الأحداث وحديثه بالأمس..وضعت كفيها على بطنها:
-أبوك بيعمل كدا ليه، عايز يوصل لإيه؟..مفكر كدا هسامحه.. ❈-❈-❈ أطلقت تنهيدة مرتعشة من عمق الليل الحالك بها تهمس لنفسها: -مهما كان اللي بتخططله ياراكان مش هسامحك على اللي عملته.. تعاقبت الأيام، يومًا يليه الآخر حتى فقدت مجيئه بعد حديثه لها بعدما وصلت إلى ألمانيا، غابت عنها حلاوة الأيام التي عاشتها بأيامها الأخيرة.. تسطحت على الفراش تضع كفيها على أحشائها تبكي بصمت عندما شعرت بالاشتياق إليه.. تعشقه بجنون..تعصر عيناها، دلفت غنى وهي تحمل أمير: -حبيب مامي، إحنا جينا..اعتدلت سريعًا، تضم ابنها وتقبل كل إنشٍ به وتبكي بشهقات:
-حبيب ماما وحشتني ياماما عامل إيه؟..كان يستند على باب الغرفة يطالعها بهدوءٍ واشتياق، اشتياقه لها فاق الحدود، دقات عنيفة تدفعه إليها وسحقها حتى يفتت عظامها.. رفعت غنى نظراتها إليه، فتحركت للخارج:

