
-إيه دا أنا معرفش إنك بتكلم أرملة سليم..آسفة مدام ليلى، ثم فصلت الخط وهي تلوح بيديها:
-بعدين راكي يكلمك مش فاضيين..
ساد صمت مختنق عند ليلى وهي تجلس لا تستوعب مارأته، جلست لدقائق وكأن أنفاسها سُرقت وشعور بنصل سكينٍ حاد مغروسًا بصدرها، شعور قاسي مما رأته، كتمت صرختها وهي تهمس إلى نفسها:
-مش معقول دا كله كذب وخداع، فيه حاجة غلط، لا راكان ميعملش فيا كدا، دول بيتلاعبوا بيا ..
جلست كمن تلقى ضربة موجعة قسمت ظهرها كما شطرت روحها، هزت رأسها رافضة مبتلعةً ريقها بصعوبة:
-هي ضحكت عليا ودمرتني مرة، لازم أسمعه، لازم أعرف إيه اللي حصل، مستحيل بعد الحب اللي حسيته يكون مخادع، لا مستحيل..
استمعت إلى رنين هاتفها، أمسكته سريعًا ظنًّا منها أنه هو ولكن تفاجأت بآسر ابن عمها..
تحدث آسر سريعًا:
-ليلى عمو فيه ناس قطعوا طريقنا وأخدوه.
صاعقة ألجمتها ولم تقو على الحديث وشعورها بانهيار عالمها بالكامل، تحدثت بتقطع:
-إيه اللي بتقوله دا ياآسر ومين دول؟!..
استمعت إلى دفع باب غرفتها بقوة ودلف منه توفيق يرمقها بسخرية:
-ليلى راكان البنداري، عاملة إيه ياباشمهندسة؟..سقط الهاتف من يديها على الأرض مصدرًا صوتًا..
نهضت تنظر إليه بغضب؛
-إزاي تدخل بالطريقة دي، إنتَ ناسي إني لوحدي هنا..اقترب يرمقها بنظراتٍ نارية يصك على أسنانه ثم جلس أمامها:
-دا بيت أحفادي يابت متنسيش نفسك، معرفش نافخة نفسك على إيه، أومال لو متجوزة راكان حق وحقيقي..
ابتلعت غصة مريرة وردت بنبرةٍ تقطر وجعًا:
-هنرجع نقول جواز ولا مش جواز، هو حضرتك مفيش حاجة تشغلك غيري وغير علاقتي بجوزي؟..
❈-❈-❈
قوس فمه بسخرية:
-جوز مين يابت..بصي لو عشمتي نفسك بحاجة أكبر وإنك هتكوني مراته حق وحقيقي، تبقي عبيطة، إنتِ أخرك ليلة على سريره، ماهو حفيدي مبيضيعش..وقت ليه يحرم نفسه برضو.
-اخرس مسمحلكش تتكلم عني كدا، واتفضل اطلع برة، ووعد مني لأكون مرات راكان حق وحقيقي..
دنا بخطوات سلحفية ونزل بجسده لمستواها مدققًّا النظر بحدقيتها:
-اوعدي على حاجة تكوني قدها، إنتِ بتوعدي هتكوني مرات راكان، ليه هو أنا حمار عشان أسيب واحدة زيك تتهنى بكدا، طيب أنا سكت على سليم عشان سليم طيب، ومالوش في اللؤم وآخره يرجع بيته وينام، إنما راكان المتحكم فيا شخصيًا هسيبك كدا..
أمسكها من أكتافها يضغط بقوة:
-تبقي عبيطة مش حتة بنت مارضيش أشغلها خدامة، أخليها مرات كبير العيلة..
دفعها فهوت جالسةً على فراشها، حاولت مقاومة رغبة قوية للبكاء، وهي تنظر إلى بكاء طفلها، اتجه توفيق يحمل الطفل:
-بس ياحبيبي، متزعلش بكرة ألاقي لك أم تعرف تربيك مش بتاعة حواري..
تصنم جسدها وهي تراه يحمله بأحضانه، وكأن هناك سكينًا يُغرس بصدرها من بكاء طفلها الذي ارتفع، وصوت هاتفها برقم زوجها..
دفع توفيق الهاتف بقدميه بعيدًا عنها، عندما وجده راكان وتحدث وهو يحاول تهدئة الطفل:
-مش مطلوب منك غير حاجة واحدة بس، هتمضي على الورق دا.
اتجهت بأنظارها للورق الذي وضعه أمامها:
-إيه دا؟..
دار حولها وأردف:
-دا تمن حياة أختك وأبوكي..دا اللي هيعيشك بعيد عن جحيم توفيق البنداري، وقبل كل حاجة:
-أكرملك، يعني من الآخر راكان ميهموش غير ابن اخوه، فلو عشمك بحاجة تبقي غبية لأنه مبيبكيش على ست، دا واحد متجوز خمس مرات.. تخيلي خمس مرات ومفيش طفل عنده، دا ميخوفش..
هزة عنيفة أصابت جسدها مما جعلها تتهاوى ساقطة على فراشها وتسلسل دموعها وهي تتحدث:
-إنتَ كداب، راكان مش حقير لدرجة دي!!.
أطلق ضحكةً صاخبة واقترب منها وصرخات الطفل وذراعيه تجاه والدته..التي شعرت بانشقاق قلبها عندما حاولت أخذ طفلها، أبعده عنها وهو يتحدث بصوته الغليظ:
-امضي ووعد هديلك الولد، وكمان أبوكي هيسافر.
أمسكت الورقة ظنًّا منها تنازل عن أملاك سليم ولكن جحظت عيناها وهي ترى وثيقة طلاقها من راكان..
تسمرت للحظات تنظر إلى الورقة وإلى طفلها تراجعت للخلف وهي تصرخ بقهر:
-مستحيل، اللي بتطلبه مستحيل، جوازي من راكان هيفضل مستمر وأعلى مافي خيلك اركبه. -بيقى إنتِ اللي اخترتي، ووعد هخليه يطلقك قبل فرحه كمان، والولد هنعرف ناخده وكله بالقانون.
كانت كلماته كطلقاتٍ نارية مزقت قلبها، هزت رأسها رافضةً حديثه:
-هات الولد واعمل اللي إنتَ عايزه، حفيدك هيرجع ويعرف يحاسبك..
-متشغليش بالك بحفيدي، هو مشغول دلوقتي مع خطيبته، معرفش الولد دا يموت وهو بيستمتع بالستات، خايف يكون سادي لا سمح الله..
اخرس، إنت إيه مش معقول تكون انسان، والله لما يرجع لأخليه يحاسبك على كل دا..
راق له اشتعال نيرانها بالغضب فأجابها بسخرية: حفيدي هيحاسبني على إيه ياترى، بالعكس دا هيشكرني لما يعرف الست اللي مكتوبة على اسمه باتت في أحضان عشيقها إللي هو ابن عمها..
وحتى شوفي الصور دي، آه نسيت أقولك،ماهو ماصدقتي يسافر وروحتي لحبيب القلب..
نزلت كلماته القاسية كالصاعقة على قلبها، ابتلعت جمرات نيران كلماته:
-حسبي الله ونعم الوكيل فيك، ولو صدقك يبقى وقتها ميهمنيش، ومحدش يقدر يضغط عليا وياخد ابني..
اقترب من مقعدها ودار حولها ليثير بها الرعب، ثم فتح شاشة هاتفه أمامها وضغط على فكيها متحدثًا بصوتٍ كفحيح أفعى:
-هتعملي اللي هقوله، وإلا…
هبت فزعة تنظر إلى والدها الذي يجلس بسيارة الإسعاف لا حول له ولا قوة، وقفت عاجزة تنظر بأعينٍ تغشاها الدموع، عينين متشتتة ضائعة فهمست:
-“بابا”..ضحكة ساخرة وهو يضع ساقًا فوق الأخرى..ثم فتح الشاشة مرةً أخرى وبها حمزة مقيد وكأنه فاقد الوعي..
هزت رأسها واقتربت منه تصرخ بوجهه، تحاول أن تطاله بيديها لتمزيق وجهه، ولكن توقفت حينما اتجه للخارج وهو يحمل طفلها:
الولد معايا، تمضي على ورقة طلاقك هتنقذي الكل ولو حاولتي تقولي لراكان أي حاجة، صدقيني أبوكي وأختك وجوزها هيموتوا.
ثم أمسك هاتفه وتحدث وكأنه يتلذذ بدموعها التي انسدلت أمامه:
-أمجد باشا العصفور وقع في القفص، ممكن تيجي تاخده أهو بيرفرف قبل ماراكان يرجع.
قالها وتحرك وصرخات الولد تشق الجدران..
أسرعت خلفه حافية الأقدام وهي تصرخ بقهرٍ باسم ابنها..
أغلق الباب عليها وخرج سريعًا..
جثت على ركبتيها وكأن حياتها سُلبت منها دون رحمة، لحظات مرت عليها وشعورها بفقدان وعيها وتوقف مجرى الدم بعروقها وشعورًا بضعف الدنيا يحتل كيانها، ولا يوجد في مخيلتها سوى زوجها وهي تصرخ باسم راكان:
-“راكااااااااان” الفصل الرابع والعشرون
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم
الوجع الحقيقي هو أن تخالط أناس لا يقدرون قيمة وجودك بينهم ويعتقدون أن الحياة تسير طبيعية عند غيابك. كم أوجعَني أن تجاهلتني وتسببت لي بألم عظيم لا ينتهي. السهم الذي يأتيك من أقرب الناس إليك يتضاعف ألمه ملايين المرات. من أكثر الأشياء التي توجع القلب الاضطرار إلى تغيير المبادئ التي تمضي وفقها كي تساير تستطيع أن تساير الحياة. نضطر أحياناً بالتظاهر بما ليس في القلب كي نحافظ على مظهرنا وملامحنا الخارجية ولا نقلل من أنفسنا أمام من أحببنا.
❈-❈-❈

