
قاطعته نورسين قائلة بغضب:
-مقولتش يعني إنك هتسافر؟!
اشتعلت نظراته بشكل مخيف مما جعلها تصمت عن تكملة حديثها، فارتبكت قائلة
-مش قصدي، قصدي يعني انه..نهض واقفًا
-متقصديش وفري قصدك لنفسك، يلا عشان أوصلك
نهض نوح هو الآخر يبسط يديه لأسما
-يلا حبيبي قدامي سفر الصبح، تحركت بعدما ودعت زينب وسيلين
بعد فترة عاد راكان، جلس بحديقة القصر، وبدأ ينفث تبغه ويحرقه كإحتراق قلبه، وصل توفيق يجلس بجواره
-قاعد كدا ليه؟!
مين مزعلك
سحب نفسًا من سيجاره ونظر للبعيد غير مكترث لحديثه..اقترب توفيق وتحدث
-فرحتني بعلاقتك بنورسين، دي فعلا الي تليق براكان البنداري، كنت خايف أرملة اخوك تلف عليك زي ما لفت على سليم، بس سليم معذور أصله طيب وعلى نياته وهي قدرت توقعه
ظل راكان كما هو ولكن شعوره بالإختناق يعيق زفراته، فاق اخيرًا من ضغط أعصابه الذي حاول توفيق الضغط به
التوت زاوية فمه بعبث ونظر لجده:
-هو مش المفروض تقعد تصلي وتدعي ربنا انه يخفف آلامك، ويشفيك، مع إني أشك إنك بتتألم اصلا
دنى من جده ونظر لحدقيته
-بقولك ايه ياتوفيق، اوعى تفكر دخل عليا موضوع مرضك، مع اني اتمناه، غمز لجده بطرف عيناه
-اوعى تفهمني غلط، أنا قصدي ان المرض بيشيل ذنوب، فأنت الصراحة صعبان عليا قوي إزاي تقابل ربنا ببلاويك دي، فقولت إلهي يجيلك مرض يخفف ذنوبك، وتموت وانت مش عارف تحرق دمي
قالها راكان ثم نصب عوده وهو يرمق جده بتهككم قائلا:
-اوعى تنسى دواك، عشان تعرف تنام يا..توفيق باشا..تحرك راكان متجهًا للداخل ولم ينظر خلفه حينما صاح توفيق عليه
-راكان استنى..وصل لباب قصره بعدة خطوات من كثرة تسارعه بخطواته حتى لا يعود ويقبض على عنقه
وصل إلى غرفته، دلف للداخل، ينظر بحزن للغرفة التي تغير أثاثها بالكامل، جلس بأنفاس تهدر بعنف داخل صدره، رغبة جامحة من قلبه في إقتحام غرفتها وسحقها بأحضانه
هب متجهًا لغرفتها لاغيا عقله بالكامل، دفع الباب، كانت تغط بنومًا عميق، خلع قميصه وتسطح بجوارها يضمها لأحضانه، شعرت به كأنه حلمًا، فابتسمت تهمس بإسمه ثم انزلقت عبراتها
-“راكان” جذبها حتى أصبحت بأحضانه كاملًا
-إشش،
نامي شوية، عندنا سفر..دنت تضع رأسها بعنقه تحاوطه بذراعها، ثم ذهبت بنومًا عميق وهي تظن إنها تحلم به
مسد على خصلاتها، ثم طبع قبلة على خصلاتها وأغمض عيناه مستمتعًا بقربها
ظل لبعض الوقت ثم نهض متجهًا إلى غرفته، بعدما اشبع روحه بقربها، وخرج كأنه لم يكن، نظر بساعته، ثم اتجه لمرحاضه وخرج بعد دقائق، رفع هاتفه وهاتف والدته
-خلي ليلى تجهز هنتحرك بعد ربع ساعة، ولو اتأخرت مش هنسافر
كان أسعد يجلس بجوارها يقرأ في كتابًا، خلع نظارته الطبية متسائلا
-فيه حاجة ولا إيه، ليه راكان بيتصل دلوقتي؟!
نهضت ترتدي مأزرها واجابته بهدوء رغم حزنها منه
-مسافر مع ليلى ألمانيا، باباها عمل عملية النهاردة ودخل غيبوبة وهي لسة متعرفش، راكان خبى عليها
تحركت حتى وصلت لدى الباب ولكنها توقفت حينما تحدث أسعد
-هتفضلي مخصماني يازينب، استدارت له
-هخاصمك ليه، أنا زعلانة مش مخصماك، لما تضرب ابني الراجل اللي لو فضلت مراته لحد دلوقتي معاه كان زمان ابنه شاب، يعني غلطت كتير يااسعد وانت بعد العمر دا كله بتمد إيدك عليه
دنت خطوة وتقابلت بنظراته الحزينة
-للأسف يا أسعد الغلط مش في أبوك، الغلط في شخصيتك الضعيفة، اللي لحد دلوقتي بقول لحد إمتى هتفضل
تداري على باباك، لحد مايموت حد فينا، طيب ماسليم مات بسببه ولسة إيه أكتر من كدا؟!
قالتها وتحركت ولم تنتظر حديثه، وصلت إلى غرفة ليلى، كانت ماتزال نائمة، دلفت بهدوء تمسد على خصلاتها
-ليلى قومي حبيبتي..فتحت جفنيها بتثاقل، وجدت زينب تجلس بجوارها اعتدلت سريعًا
-أمير كويس..ربتت على ظهرها
-أيوة حبيبتي كويس..أنا جاية اقولك اجهزي عشان تسافري مع جوزك لباباكي
بدأت أنفاسها في الاضطراب، وخفقاته تتسارع في سباق شديد، حتى شعرت بتوقفه، فهبت فزعة
-بابا حصله إيه، أنا كلمت ماما وقالت لسة ماخرجش ونمت ومحستش بنفسي، طمنيني ياماما وقولي ان بابا عايش
ضمتها زينب لأحضانها تمسد على خصلاتها
-اهدي حبيبتي والله باباكي كويس، هو عمل العملية، والمفروض تطمني عليه مش كدا
ولا إيه
أزالت عبراتها ونهضت سريعًا:
-هجهز حالا ياماما، خلي داليا تجهز أمير
بغرفة راكان جلس أمام حاسوبه يبحث في بعض الأشياء ثم قام بإرسالها لأحدهم، أمسك هاتفه ينظر بساعته
-أيوة وصلت لأيه
❈-❈-❈
على الجانب الآخر
-زي ماحضرتك قولت، توفيق باشا زار مدام ليلى، قبل توقيعها على القضية، كان عندها الساعة أربعة عصرا وهي مضت أربعة وتلت تقريبا، وكمان فيه حاجة قبلها بساعتين كانت عنده في الشركة ودخلت بعد معركة بينها وبين السكرتيرة
-تمام..هذا ماقاله راكان، نهض متجها لشرفته وقام بإشعال تبغه ينظر بالحديقة
-يعني لعبتها صح ياتوفيق، وماله نلعب مع بعض، وحياة حرقة قلبي لأخليك تتمنى الموت انت
وأمجد الكلب، تذكر قبل عدة ساعات بعدما استمع لحديثها مع أسما
وصل حيث جلوس نوح ونورسين، جلس يفكر بكلماتها، ورفعها لقضية طلاقها، زفر متنهدًا وهو يكور على معصمه يحدث حاله
-غبية عرف يستغلك ويلعب بيكي، بس إزاي، لازم اعرف ايه اللي ماسكه عليكِ عشان تعملي زي الهبلة الي هو عايزه
خرج من شروده بعدما استمع لطرقات على باب غرفته
-خد أمير انا تعبانة ومش عايز يسكت ووالدته بتجهز
التقط الولد من والدته ينظر إليها بتقييم
-مالك ياماما اتصلك بدكتور..هزت رأسها رافضة
-لا شوية صداع على إرهاق، على عمايلك السودة مع مراتك، غير تعبها، هتجلط
بسببكم، شايفة عيال قدامي مش ناس عاقلة
اومأ متفهما دون حديث
-روحي نامي حبيبتي ومتشليش هم، اقتربت منه تطالعه بنظرات مستفهمة
-انت ليه بتعمل كدا ياحبيبي، راكان إيه اللي حصل بينك وبين ليلى؟
قبل رأسها وهو يحاول تهدئة أمير
-مفيش ياماما مشكلة بسيطة وهنحلها..دققت النظر على ملامحه قائلة:
-المشكلة البسيطة دي تخليك تتجوز نورسين، وتعمل حركاتك اللي تقهر مراتك، المشكله البسيطة دي اللي تخليك بعيد عن مراتك في يوم المفروض تكون قوتها ودعمها
قاطعها وهو يربت على كتفيها
-ماما الطيارة هتفوتنا، روحي ارتاحي يلا، أومأت برأسها متحركة للخارج
-مفيش فايدة فيك
اخذ نفسا طويلا ثم زفره واتجه إلى غرفتها للمواجهة، دفع الباب، كانت تقف بجسد واهن أمام المرآة تقوم بإرتداء حجابها
دلف ووقف يقيمها بنظراته، صمت برهة ثم تحدث
-خلصتي..لم تعريه آهتمام وقامت بحمل إبنها متجهة للخارج، جذبها بعنف ونظر إليها نظرات نارية
-لما أكلمك تقفي تسمعي بقولك ايه، مش شغال عندك
انا
نزعت يديها بعنف وطالعته بكبرياء
-انا مش الجارية بتاعتك، ومتنساش إحنا في حكم المتطلقين
تحرك أمامها بعدما جذب الولد الذي ارتفعت صيحاته، ألمًا مفرط اجتاح كل خلية بجسده من هيئتها وعيونها الذابلة
اتجهت للمصعد بعدما فقدت قدرتها على المشي، نظر خلفه وجدها اتجهت للمصعد..زفر بغضب من أفعالها التي تؤذي روحه
بفيلا خالد البنداري قبل قليل
دلف يونس إلى غرفته، وجد والدته تصيح بغضب عليه..إستدار يزفر بغضب محاولا السيطرة على نفسه، فهي منذ الأمس بعدما فجر قنبلته وتعلقه بسيلين ونسبها لنفسه وهي كالنيران المستعيرة التي تريد التهامه
توقف مستديرًا إليها
-لو لسه هتتكلمي
عن موضوع سيلين هسيبلك البيت، أنا راجل ومش صغير عشان اسمع نصايح من حد، سيلين خلاص مراتي عايزة تقنعي نفسك بكدا ولا لا، دي مش مشكلتي
وصل والده على صراخ فريال عندما صاحت بغضب
-والله ما هتتجوزها يايونس، ولو كانت آخر بنت في الدنيا دي كلها، وطالما مش هتتجوز سارة، يبقى مش هتتجوز
-فريال..صرخ بها خالد، مما جعلها ترتبك بوقفتها
-اتجننتي انتِ عارفة نفسك بتقولي ايه، حياة ابنك وهو حر فيها
الجمتها الصدمة من حديثه ولم تستطع النطق سوى بعد لحظات قائلة:
-افهم من كدا إنك موافق على عمايل الدكتور، رايح يتجوز بنت من الشارع منعرفش أصلها ولا فصلها
تحرك يونس متجهًا لمرحاضه
-ميهمنيش المهم أنا بحبها، ثم استدار وأكمل
-انت ناسية ان سيلين تربية العيلة، أنا مليش دعوة بأهلها، هي متربية هنا وبس
تحركت والدته إلى أن وصلت إليه
-بس دي ممكن تكون حاملة دم فاسد وتكون جاية عن طريق زنا ياحضرة المحترم
قلبه لم يطاوعه بما أردفت به والدته فصرخ بها حتى اهتز جسدها من صياحه
-سيلين دمها مش فاسد دي من عيلة البنداري، عارفة يعني ايه، وحتى لو زي مابتقولي هتجوزها واللي مش
عاجبه يشرب من البحر
اخرص ياولد..صاح بها توفيق الذي وصل للتو
تحرك يتكأ على عصاه، اقترب منه، ودفعه بعصاه وهو يصيح بصوته
-كبرت يا حيوان وبتعلي صوتك علينا، وبتقول تتجوز مين، ماانت بقالك سنين مقضيها مع البنات ولا مفكر بلاويك مش عندي
تورمت غصته واقترب من توفيق ولم يفصل بينهما انشًا واحدًا
-هتجوزها غصب عن الكل، وقبل ماتصرخ ..آه كبرت ومحدش يقدر يمشي كلامه عليا، بدل ماشي في النور ومش خايف من حاجة
قالها ثم خرج سريعًا يأكل خطوايه الأرض كالنيران التي تلتهم سنابل القمح
اتجه توفيق لخالد
-شوفت آخرة دلعك ايه، أهو
محدش قادرله ، وفضلت تقولي ابعد عن يونس خليه جمب راكان لما بقى نسخة تانية منه، اصلي قدرت على واحد لما جايلي يونس هو كمان
هز خالد رأسه رافض أسلوب والده
-يونس عنده خمسة وتلاتين سنة يابابا مش عيل عشان نمشيه على هوانا، وخليه يعيش مع اللي بيحبها، انت اكتر واحد عارف يعني ايه الراجل يعيش في حضن واحدة مش عايزها
قالها خالد وتحرك للخارج..هوت فريال على المقعد بنظرات تائهة
-لا انا كنت مفكرة بيقول كلام وخلاص، بس واضح انه هينفذ اللي عايزة
ربت توفيق على كتفها وتحدث بمغذى
-لو مقدرناش على يونس، يبقى نقدر
على بنت الحرام، اتصلي بعايدة وسارة وخليهم يجوا لعندي
عند نوح
خرج مرافقًا لـ أسما واستقلا سيارتهما، قام بتشغيل أغنية لكوكب الشرق ام كلثوم، ثم جذب رأسها لتضعها على كتفه
-حبيبي مالك؟! من وقت ماخرجنا من عند راكان وانتِ ساكتة
اطبقت على جفنيها متألمة لوضع ليلى، رفعت نظرها إليه
-شايف ليلى وراكان بيعملوا في بعض ايه
ابتسم نوح بسخريه وأجابها
-عشان شوية أغبية، مايعرفوش قيمة الحب
أطلقت أسما ضحكتها الأنثوية وهي تردف
-شوف إزاي يا ملك الرومانسية، روح علمهم ياحبيبي..رفع ذقنها بأنامله ناظرًا إلى مقلتيها مرة وإلى الطريق مرة
-بتتريقي على حبيبك يا أسما!!
نظرت إليه بأعين تفيض ولهًا، ثم رفعت كفيها تملس على وجنتيه قائلة بصوتها المبحوح
-“حبيبي طبعًا ملك الرومانسية”
إحس بالحرارة تزحف إلى جسده، سكت هنيهة يحاول السيطرة على مشاعره التي بعثرتها جنيته
، وقربها المهلك ورقتها التي خطفت قلبه للمرة التي لم يعد قادرًا على حصرها
أطلق ضحكة عندما وجد ذهولها من حركته وتحدث غامزًا
-حد قالك تلعبي معايا بالنار، وضعت رأسها على كتفه واغمضت عيناها تستلهم من وجوده جوارها وهي تشعر بالأمان والعشق يحاوطها
وصلا بعد قليل لمزرعتهما، ترجلت سريعًا متجهة للداخل، اوقفها قائلا:
-هروح أشوف المهرة، أسيا كانت بتقول ممكن تولد خلال يومين..أومأت دون حديث فحالتها الآن تغني عن أي حديث
دلفت غرفتها سريعًا ودقاتها بالأرتفاع حتى شعرت بتوقف قلبها حينما انتوت وسمحت لنفسها الأقتراب منه لتصبح زوجته قولا وفعلا
حبست أنفاسها داخل صدرها مانعة استماعها لعقلها، وقامت بتجهيز نفسها حتى تتهيأ لمقابلة روحيهما..دلف نوح بعد قليل يبحث عنها
-أسما حبيبتي ممكن فنجان قهوة عندي صداع
ابتلعت ريقها وهي تنظر لهيئتها بالمرآة، وخيط من عبراتها يترقرق بجفنها، هل ستقدر على ماهو آت، أم للقدر رأي آخر
نادته بصوتها الرقيق المرتجف
-أنا هنا حبيبي تعالى…دلف بهدوء داخل غرفتهما،
تسمر بوقفته بعدما وجدها بتلك الهيئة المميتة لقلبه الضعيف
ترتدي منامة شفافة باللون الأبيض، تصل لفوق ركبتيها، تظهر جسدها بسخاء، رغم وجود مأذرها فوقها إلا أنها فاتنة، رفع نظره إليها ..وران صمتًا هادئًا عليهما ورغم صمته إلا لم يخل من اختلاس النظرات وحبس الأنفاس، لا يعلم ماذا عليه فعله الآن، يأبى كتمان مشاعره التي أصبحت كفوهة بركانية، فإما البوح والأستكانه بأحضانها، وإما العذاب الأبدي، تحرك حينما فقد قدرته على الصمت بحضرة جمالها، وعشقه لها بكل جوارحه أصبح النيل منها ألذ مايروق له، فالبعد الآن أشبه بحياة الموتى
وصل أمامها ولم يفصل بينهما شيئا، فهمس بصوته المبحوح
-“أسما”..دنت منه
حتى اختلطت انفاسهما فالآن يتمزق قلبها من بعده، فحبها له كمصاب القلب لم يعد له القدرة على النبض المنتظم، نعم حبه جعلها تركض نحوه لتعانقه حتى تشبع روحيها المفقوده من بعده
احتضنت وجهه تبحر بنظراتها على وجهه وتحدثت بصوتها الرقيق
-حبيبي حان الوقت لنكون أسرة، مش عيزاك تزعل مني..
كان يتابعها بنظراته التي رسمت وجهها مما جعلها لوحة مرسومة بأجمل صورة لعيناه
-“نوح” اردفت بها بنبرتها الرقيقة عندما وجدته صامتًا، حاوط خصرها وهو يستمع لتلك النبرة الشجية التي جعلته أشبه بشارب الخمر الحلال الذي يغيب روحه عن الدنيا، ولكن حالة سكره أشبه بالذي يصعد إلى نهر عسل مصفى ويهبط على أجنحة الملائكة، وهو يقتنص من عسلها المصفى مايجعله كطائر يرفرف بجناحه من كثرة سعادته
فكما قال ابن الرومي

