
-وحشتني قوي ياسليم، حقيقي وحشتني مكنتش أعرف هتبهدل كدا من بعدك، ظلت تملس بيديها على صورته ودموعها بالأنهيار وتتذكر حديثه وشقاوته معها، شهقة خرجت من جوفها ولم تشعر بنفسها وهي تقول
-سليم لو قالولي نفسك في ايه تعوضيه، هقولهم نفسي أشوفك قدامي وانت بضمني وبطبطب عليا، عايزة اقولك أنا حبيتك، بجد حبيتك قوي، ومكنتش أعرف، ياريت الندم يفيد، عايزة أعرفك كنت غلطانة في حق نفسي لما فكرت في واحد زي أخوك، دا مستحيل يكون بني آدم، ياترى هو كدا وانا اللي مكنتش واخدة بالي ولا …اجهشت بالبكاء مرة اخرى
تنظر إلى السماء التي بدأت بصوت الرعد، وكأن السماء تبكي
لبكائها، رجعت برأسها وبدأت تحدث نفسها
-غصب عني كل حاجة حصلتلي غصب عني، حاسة اني ضايعة ومش عارفة اعمل ايه، ابني اللي اتكتب عليه انه يجي للدنيا من غير أب، ولا اختي اللي القدر بيلطش فيها، ولا مرض ابويا وكل يوم عند دكتور، ولا الراجل الوحيد اللي فكرت نفسي حبيته، بقى أكبر ظالم وكل مايشوفني عايز يدبحني
اتجهت بنظرها لصورة زوجها مرة أخرى
-احكي لمين وجعي ياسليم، أنا تعبانة قوي ياسليم ومنهارة، مراتك ضعيفة وضايعة من غيرك، صدقني حبيبي ضعت من غيرك،
اندفع باب الغرفة ودلف منه يبحث عنها، كانت جالسة مغمضة العينين وصورة سليم مضاءة على
هاتفها، وجد باب الشرفة مفتوح، اتجه إليها سريعًا عندما وجدها بتلك الحالة، ظنا أنها فقدت وعيها
وقف ينظر إليها بعينان تقطران ألما، وملامح يكسوها الحزن من تبدل حالها، فتحت عيناها حينما شعرت به من خلال رائحته التي استنشقتها، اعتدلت تجذب معطفها الصوفي على أكتافها ونظرت للبعيد ولم تحاكيه
أظلمت عيناه بنظرة جوفاء قاسية وتحدث
-ماأكلتيش ليه من الصبح، انتِ ناسية إنك حامل، وليه قاعدة في البرد
ظلت كما هي لم تعيره اهتمام، جذبها حتى اوقفها وسحبها للداخل، تحركت معه دون حديث، وكأنها فقدت الحياة
جلست على مخدعها ولم ترفع نظرها إليه، دلفت العاملة تحمل طعامها، أشار
بعينيه للعاملة، ان تخرج ولكنه اوقفها
-فين اللبن، أنا مقولتش كل وجبة يكون معاها اللبن، هزت رأسها وخرجت سريعا لتلبي طلبه
جلس بمقابلتها يضع ساقًا فوق الأخرى
– خلصي أكلك يامدام، عندنا ميعاد مع الدكتورة النسائية، ظلت صامتة ولم تفعل شيئا، نهض من مكانه حينما وجدها تعاني بهذا الشكل الموجع، ألمًا مفرط اجتاح كل خلية بجسده، روحه تتمزق، عبراتها امامه تحولت إلى قطع قطع زجاج تشحذ صدره، أغمض على جفنيه واقترب من جلوسها
حاول يستعطفها كما أوصته والدته
-باشمهندسة لو سمحتِ اهتمي بأكلك متنسيش إنك حامل، جلس بجوارها على الفراش، يدقق النظر لملامحها الباهتة التي التي
أكثرت شحوبها وهمس يستعطفها
-ليلى أمي بقت قعيدة، واملها كبير في اللي بطنك، يعني الولد مقابل حياة أمي، عارف قسيت عليكِ، بس دا ميمنعش إنك متسرعة ومبتحكميش عقلك في قرارتك
حركت شـ,ـفتيها الجافتين بنبرة يبدو عليها الندم فرفعت بصرها إليه:
-انا عملتلك ايه عشان أستاهل كدا، أنا ماليش دعوة باللي حصل، عارفة اني غلطت بس مكنتش أعرف، قولتلك خليت والدتك تتصل وقالت انكوا في المزرعة ..اطبقت على جفنيها وأكملت :
-أنا مكنتش أعرف كل دا هيحصل، أنا كنت مجروحة، واحدة جوزها خانها في أول شهور جواز، كنت مستني مني إيه، ليه دايما بتحملني كل حاجة،
زفر بحزن مما وصلت إليه الأمور بينهما، فنهض ينظر للطعام، يحبس أنفاسه داخل صدره ثم تحدث:
-خلاص مش هنتكلم في اللي فات دلوقتي لازم تهتمي بنفسك، أكلك مش تاكليه غير من ايد مها اللي جبتلك الأكل دلوقتي، ممنوع تخرجي من باب الأوضة دي وأنا مش موجود
نظرت إليه والدمع يترقرق من عينها
-انا مش عايزة اقعد هنا، كدا كدا هرجع بيت ابويا، فبلاش أسلوب الجبروت بتاعك دا، الجواز مش بالغصب
اكتفى بتنهيدة مرتجفة افلتت من بين شـ,ـفتيه فلم يجد كلمات تعبر عن غضبه سوى أن ينزل بجسده ينظر لمقلتيها بغروره
-مفيش خروج من البيت دا يامدام، مش مستعد امـ,ـوت امي عشان واحدة كرهتني في نفسي أنا شخصيًا، قالها وتحرك مغادر سريعا حينما جذبته
بعيناها السوداء الساحرة، بخطوات ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة ضعف قلبه الذي فرض سيطرته بالكامل من قربها، وحجر ثقيل يطبق على صدره كلما تذكر أنها ماهي إلا أرملة أخيه
وصل لغرفة والدته يطرق على باباها، ثم دلف إليها
-مساء الورد يازوزو، رفع كفيها يقبلها وجلس أمامها
-إيه يازوزو عجبك قعدتك على الكرسي دا، ياله ياماما، عايز ارجع اشوفك واقفة على رجليكي من تاني
رفعت كفيها تمسد على خصلاته وأردفت:
-أنا كويسة ياحبيبي طول ماأنت واختك كويسين، اكتسى الحزن ملامحها حينما تذكرت فلذة كبدها فهمست بصوتًا متقطع:
-مراتك عاملة ايه، إيه اخبار اللي في بطنها
جحظت عيناه بصدمة وأردف:
-مراتي!! إيه يازوزو ماانتِ عارفة أنا وحلا اطلقنا من زمان، وهي سافرت امريكا، وبعدين مش دا كان شرطك اني ابعد عنها عشان ترضي عليا وأكون راكان ابنك اللي ربتيه
ملست على وجهه ثم رفعت ذقنه ونظرت لمقلتيه
-أنا مقصدش حلا ياراكان، أنا قصدي ليلى !!
ذُهل من حديثها فنظر إليها بشـ,ـفتين فاغرتين مصعوقًا وكأن ماقالته أدمى قلبه فشطره نصفين، ظلت تمسد على خصلاته بكفيها مردفة:
-انت قولتلي اطلبِي وأنا عليا أنفذ، وأنا مش عايزة منك غير كدا، إن ليلى متخرجش من البيت دا، لاني بشم ريحة ابني فيها
أطبق على جفنية بقوةحتى شعر بتمزق عيناه
فهمس بأنفاسًا ثقيلة مرتجفة:
-كلمتها ياماما، عرفتها أنها هتفضل معانا، وطلبت منها الجواز
هزت رأسها منتظرة تكملة حديثه، صمت لثواني يقاوم صرخة عبأت صدره حينما تذكر حديثها بأنها تتمنى المـ,ـوت ولا الجواز منه
قاطعت شروده زينب
-قالتلك إيه ياحبيبي؟!
حمحم ناهضا من مكانه يواليها ظهره، فأردف
-مش موافقة، عايزة تروح بعد العدة، وطبعا باقي شهر وهتمشي من هنا
بحثت على هاتفها، فقالت
-انا هروحلها، هتصل بسلين توديني عندها
أوقفها راكان قائلا بهدوء:
-سبيها دلوقتي ياماما بلاش نضغط عليها، أنا حجزتلها عند الدكتورة، هنروح نطمن على البيبي، وبعد كدا ربنا يحلها من عنده
صاح على الممرضة
-خليكِ جنبها اياكِ تبعدي عنها لحظة، لحد مالباشمهندسة تيجي
قبل رأس والدته متجها للخارج، ولكنه تسمر بوقفته عندما استمع لكلماتها
-مردتش عليا يعني ياحضرة النايب، لما سألتك وقولتلك إيه رأيك في ليلى كزوجة
ظل للحظات مواليها ظهره ورغم ذلك شعر بإنسحاب أنفاسه، وكأن والدته تضغط فوق جـ,ـرحه المتقـ,ـيح فاستدار ببطئ ينظر إليها ثم أجابها
-زيها زي أي ست، وهي في الأول والآخر مرات اخويا، وأم ابنه، وزي مااتفقت مع حضرتك، الجواز ماهو
إلا امان للولد وبس ياماما، بلاش تفكري في حاجات مش هتحصل
طالعته بهدوء وهزت رأسها رافضة
-ليلى أرملة أخوك مش مراته ياراكان، وانت زيك زي سليم الله يرحمه، اوعى تفكرني عبيطة يابني مبفهمش، لا دا أنا افهمك من نظرة عينك
نظر للممرضة التي تقف تستمع لحديثهما، وأشار إليها بالخروج ثم اتجه للوالدته
-عايزة توصلي لأيه ياماما، ممكن متخيبيش ذكائي وتقولي من الآخر عايزة توصلي لأيه
دققت النظر بمقلتيه وأشارت لقلبه
-عايزة أوصل لقلبك يابني، ليه بتهرب منه
ليه مش عايز تدي نفسك فرصة إنك تعيش مع اللي اختارها قلبك، مش ليلى دي حبيبتك اللي
جيت وحكتلي عنها في يوم من الأيام
هزة عنيفة أصابت جسده حتى شعر بدوران الأرض تحت قدميه، هرب بنظره من والدته وهو يهز رأسه رافضا حديثها وتحدث بصوتًا متقطع
-ايه اللي بتقوليه دا ياماما، ليلى دي مرات سليم وحبيبته،نسيتي ولا إيه
تحركت بالمقعد حيث وقوفه وأردفت
-مش دي المهندسة اللي جيت تقولي عليها قبل مااخوك يخطبها بأسبوع، واتفقت معايا نروح نزورها، وبعد كدا حالك اتشقلب وقولتلي إنك نسيت الموضوع ودا بسبب ان أخوك اتجوزها
هز رأسه كالمجنون رافضًا حديثها وترقرقت عيناه بالدموع:
-لا مش هي، مين اللي قالك كدا، دي واحدة تانية واختلفنا
جذبته من كفيه حتى هوى على المقعد أمامها
-لا هي ياحضرة النايب، هي البنت اللي كنت بتحكي عليها وعيونك كلها سعادة، ثم وضعت كفيها على صدره
-هي البنت اللي خلت قلب راكان البنداري يدق ويضعف، ويشوف السعادة، وفي لحظة كل حاجة انطفت ورجع زي الأول
-“ماما” همس بها راكان مع انزلاق عبرة خائنة من جفنيه، اقتربت بجسدها تزيل دموعه، فانسدلت عبراتها
-ليه ياحبيبي، ليه تعمل في نفسك كدا، الفرصة جاتلك لحد عندك ، ليه عايز تكسرها، والله يابني ماكنت اعرف، ولا اخدت في بالي، مستحيل
أسيبك تعيش الوجع دا ياحبيبي
رفعت كفيه تقبله ونظرت لداخل عينيه
-اوعى تفكر أني كنت هفرق بينك وبين أخوك ياحبيبي، عمري ماكنت اعملها، بس زعلت عليك ياراكان، نهض سريعا يمسح عبراته قائلا بصوت مرتجف:
-غلطانة ياماما، مش دي البنت اللي قولت عليها، وعلى فكرة أنا كنت هخطب البنت اللي كلمتك عليها، بس جه مـ,ـوت سليم وقف كل حاجة، وأن شاء الله ناوي بعد ماتعدي سنويته اروح اخطبها مش دا اللي حضرتك عايزاه، عايزة أكون عيلة
تنهدت بوجع تطالعه، ثم هزت رأسها وسألته
-وليلى يابني، ترضاها لسيلين أختك، أستدار يطالعها :
ليلى مستحيل يربطنا ببعض حاجة، وزي ماحضرتك قولتي، ريحة أخويا فيها، غير أنا بحب واحدة تاتية
-وياترى مين البنت دي اللي حضرتك عايز تتجوزها؟! قالتها زينب غاضبة
أجابها سريعا دون تفكير:
-نورسين النمساوي ياماما، بقالنا أكتر من سنة على علاقة والصراحة شايف نفسي معاها
هزت رأسها واجابته:
-ملقتش غير بنت النمساوي ياراكان، طيب ياحبيبي، ربنا يسعدك..خرج سريعا وترك والدته خلفه تنظر إليه بحزن
دلف غرفته كالثور الهائج وبدأ يحطم كل مايقابله
-ليه بيحصل معايا كدا، هو لدرجة دي أنا ملعون
آآه قالها وهو يكز بأسنانه على قبضته المتكورة
حاول أن يتنفس فحديث والدته عراه أمام نفسه، ماذا عليه يفعل الآن، هل سيفعل ماقاله، ويذهب لتلك الشمطاء الذي جنت عليه

