
هنا رفع نظره إليها بعدما أخذوا سليم من بين يديه بمساعدة حمزة ويونس..نظر إلى بطنها وكلمات أخيه:
-“راكان ابني، حافظ عليه” نصب عوده ونهض..
يجذبها من أحضان نوح متحركًا بها للخارج..
حاول حمزة إيقافه:
-راكان هتعمل إيه، متبقاش مجنون اهدى، كانت تتحرك بجواره كانسانٍ ألي فقط، نظراتها للخلف تنظر إليهم وهم يقومون بتغطية وجهه..
صرخت بصوتٍ مرتفع وهي تنزع يديها من راكان، وهرولت إليه تبكي وتضع كفيها على فمها تمنع شهقاتها، وصلت تجذب الغطاء من فوقه وبكت بكاءً مرير:
-سليم متسبنيش ياسليم، قوم ياسليم عشان خاطري، بدأت تهز جسده بهستيريا..
-بقولك قوم مين هيربي ابنك، سمعتني بقولك ابنك ياسلييييم..
جذبها نوح محاولًا السيطرة عليها، وهو ينظر للممرضة بإنهاء عملها، ضمها وخرج بها حيث وقوف راكان، الذي نظراته على وجه أخيه الذي أصبح أمامه ماهو إلا جـ,ـثةً هامدة بعدما قاموا بتغطيته بالكامل؛ هرول للخارج يحبس أنفاسه داخل صدره ضاغطًا على كل عصب في جسده حتى لاينهار كليًّا قبل إخبار والده ووالدته..
خرج يونس خلفه سريعًا، بينما جلس نوح يضم ليلى التي انهارت كاملًا، وصوت بكاءها يقطع نياط القلوب، حتى خارت قواها وفقدت وعيها..
خرج بخطواتٍ أقرب للركض، ورغم أنها خطوات سريعة إلا أنها متخبطة من يراه يقسم أنه أصابه مس، أنفاسه تتصارع داخل صدره، دمعاته تلاحق بعضها واحدة تلو الأخرى، يبكي في صمت، وهو يتخيل حالة والدته..
استقل يونس السيارة بجواره يقودها إلى منزلهم، جلس ينظر من الشرفة، وعيناه تائهة كطفلٍ فقد والده، دموع كزخات المطر، ليتها كذلك حتى تغسل ذنوبه، أغمض عيناه يدعو ربه بقلبه:
” يارب صبر أمي على ماسيؤذي قلبها، رحمتك بعبدك” توقف يونس حينما وصلوا أمام القصر..
نظر إلى القصر بمقلتين جاحظيتن وتحدث:
-إحنا وصلنا بسرعة كدا ليه!..ربت يونس على ظهره قائلًا:
-راكان لازم تقوى، الجاي صعب، بلاش ضعفك دا.
انتحب بحرقة خرجت من بين أعماقه المحروقة:
-بتطلب مني أقوى، أقوى إزاي يايونس وأنا هدفـ,ـن أخويا، أخويا بدل يستنى ابنه، هدفـ,ـنه بالتراب، اتجه بنظره ليونس:
-الألم صعب قوي يايونس، أنا مش قادر أواجه امي، هروح أقولها تعالي ودعي ابنك التالت وادفـ,ـنيه واترحمي عليه، الست دي الله يكون في عونها دا لو فضلت سليمة..
ترجل مترنحًا بأعينٍ مغمضة مصعوقًا بما صار له، توقف للحظات ينظر إلى يونس، الذي ربت على ظهره يحثه بالدخول، وضع كفيه على صدره فكأن حجرًا ثقيلًا أصاب صدره ونزف قلبه، خطا للداخل قابلته سيلين وهي تخرج من باب القصر..توقفت تنظر إلى حالته، ثم نظرت إلى يونس متسائلة:
-مالكم!! فيه أيه وسليم فين؟!
بأنفاسٍ مرتجفة ولسانًا تجمدت فوقه الكلمات، جذبها يونس للخارج:
-تعالي معايا ياسيلي، فيه موضوع هنتكلم فيه ضروري..رفعت نظرها إلى راكان تمسك كفيه:
-أبيه راكان مالك، إيديك بترتعش كدا ليه؟!..
توجه ليونس حتى يخرج بها..
جذبها يونس بروحٍ محترقة وقلب يتمزق ألم:
-تعالي حبيبتي لازم نتكلم..
بخطواتٍ ظاهرها ثابت ولكنها متعثرة، وحجرًا ثقيلًا يطبق على صدره كمن يُساق لمنصة الإعدام ويذهب للجحيم صعد للأعلىوصل لغرفة والدته..
سكن أمام باب غرفتها برهة يمسح عبرةً غائرة أحرقت وجنتيه بل أحرقت جدران قلبه كذلك، دلف يخطو وكأنه يذهب لجحيم جهنم..
وجدها تجلس بيديها مصحفها، وقف يتأمل وجهها المبهج لقراءتها القرآن، ببؤس مزق المتبقي من روحه المحترقة لأشلاء..خطا حتى وقف أمامها، رفعت نظرها بابتسامة:
-تعال ياحبيبي واقف كدا ليه؟..
الحمدلله طمنتني عليك يابني، كدا دايمًا وجعلي قلبي عليك ياراكان..
كانت نظراته تهرب من نظراتها المحاصرة له..
“راكان” أردفت بها زينب، رفع عيناه المتورمة الحمراء، وجلس تحت أقدامها متهدل الكتفين بحزن وألم لم يشهده روحه من قبل؛ وضع رأسه على ساقيها وانسدلت عبراته وهي تمسد على خصلاته:
-فيك إيه ياضي عنيا، زعلان على سليم، أنا كمان زعلانة عليه قوي، بكى بنشيجٍ مرير وارتجفت أوصاله، كيف له أن يمزق قلبها، كيف له أن يخبرها بما حطمه وأشعره باليتم..
كيف أخبركِ ياأمي أن روحي انتُزعت مني، ليتني أنا وليس هو، ليتني أنا حتى لا أرى قهرك على فلذة كبدك، ليتني أنا ياأمي حتى لا أرى ولا أشعر بما سيحدث لك، من الذي قال أن الحزن للمفقود، بل الحزن لفارقه، الحزن ثم الحزن لقلبٍ توقف نبضه عن الحياة عندما فقدت الروح ملجأها..
راكان قالتها بلسان مرتجفٍ وقلبًا بالضلوع يتمزق عندما وجدت حالته تلك..
-مالك ياحبيبي..آهة حارقة خرجت بعلقم مايشعر به الآن
قائلًا”اللهم لا إعتراض”
رجعت للخلف بجسدها، ثم رفعت وجهه تحتضنه بين كفيها:
-إيه اللي حصل؟! والدك كويس، أه هو لسة مكلمني وقالِّي عنده اجتماع مهم..
جحظت عيناها فجأةً ثم دققت النظر إليه:
-س..س..سليم فين، بتصل بيه مبيردش؟.
اكتسى الحزن ملامحه وبكائه المرتفع، الذي أيقنت من خلاله أن هناك مكروه أصاب ابنها.
نهضت واقفة تتأمل شحوب ملامحه، ووصول أسعد الذي يقف على باب الغرفة مناديًا:
-راكان فين أخوك، إيه اللي حصل، فين سليم، حادثة إيه اللي يونس بيقول عليها؟!..
صرخة شقت الصدور من سيلين وهي تصيح بصرخاتها باسم سليم..
ذُهلت زينب وهي تهز رأسها نافيةً ماتسمعه، تجمعت العائلة بالكامل بعدما استمعوا لصيحات سيلين، وزعت زينب نظراتها بينهم جميعًا حتى توقفت بنظراتها على راكان..ودموعه التي لم تتوقف، عيناه المتورمة من البكاء وملامحه الشاحبة، هوت جالسة وهي تقول:
-قصدكم سليم مات!!. يعني ابني راح لأخواته، ضمها أسعد وهو يردف بصوته المتقطع:
-اللهم لا اعتراض، إن لله وإن إليه راجعون..
هزة عنيفة أصابت قلبها من كلمات أسعد البسيطة..
صمتت عن الحديث وهي تنظر في نقطةٍ وهمية، تقاوم صرخة عبأت صدرها لكنها كتمتها وتابعت بصوتها الذي حاولت أن يكون طبيعيًا:
-وديني لابني ياأسعد، عايزة أودع ابني ياأسعد، عايزة أشوف أخوك قبل ماتدفـ,ـنوه ياراكان..
هز رأسه وهو يضمها ويقبل رأسها:
-أنا آسف ياأمي، آسف ياحبيبة قلبي، ياريتني كنت أنا عشان مشفش كسرتك دي.
رمقته بنظرةٍ نارية وأردفت:
-ربنا يخليك لشبابك ياحبيبي، إنت إيه وهو إيه، الوجع واحد، وابني ربنا بعتهولي هدية، وجه الوقت اللي ياخد هديته، أنا راضية بقضائه..
اللهم لا اعتراض..اللهم لا إعتراض..
رغم كلماتها إلا أن قلبها مشطور، وجسدها متألم من الحزن،
تحرك الجميع إلى المشفى، زينب التي أصبحت جسدًا بلا روح، ورعشة قلبها الحزين على فلذة كبدها، ترجلت بخطواتٍ مرتعشة وهي تخطو بين حشود الصحفيين الذين يقفون بالخارج ليعرفوا ماذا أصاب رجل الأعمال سليم البنداري..
وصلت حيث غرفته، يحاوطها راكان بين ذراعيه، وأسعد الذي يضمه خالد أخيه وهو يتمتم ابني، إنت فين يابني..
دلفت للغرفة التي يُوضع بها سليم، كان نوح وحمزة بالخارج مع الطبيب الذي أوصى به راكان لفحص أخيه..
دلفت بساقين تكاد تحملنها..صرخة بآهة عالية خرجت من جوف حسرتها، يتبعها نحيبها الذي بدأ يعلو لأول مرة في الأرجاء:
-ياحبيبي يابني، ياحبيبي ياسليم، كدا ياحبيبي هانت عليك أمك، كدا عايز تسيب أمك ياسليم..
آآه يابني، صرخت بها زينب عندما فقدت السيطرة وجثت بجانب فراشه، رفعت الغطاء عن وجهه وصرخاتها صمت الآذان وهي تضمه بكفيها المرتعشة، نزلت تطبع قبلةً على جبينه:
سلامتك من المـ,ـوت يانور عيني، بدل ماتدفـ,ـني أدفـ,ـنك ياحبيبي!!.
“اللهم لا اعتراض، الصبر من عندك يارب”
قالتها زينب عندما شعرت بضعف جسدها، وسقطت كمن تلقى ضـ,ـربة موجعة مغشيًا عليها..
❈-❈-❈
بعد عدة ساعات توقف الجميع أمام المقابر، بيتك الأخير أيها الفاني، فياإنسان يامن كنت تجري هنا وهناك تمشي على الأرض أو تسبح في الماء اأو تركب الفلك، أو تطير في الهواء، ولك من المال والأولاد والزوجة الحسناء، سيأتيك في يوم من الأيام لهذا المكان، لا ملك يفر ولا انسان،
نعم أحبتي في الله المـ,ـوت أعظم المصائب التي تحل بالانسان وقد سماه الله في كتابه مصيبة:
“فأصابتكم مصـ,ـيبة المـ,ـوت ”
وهاهنا نجد فقيد الشباب، يقف حوله الأهل والأحبة ينظرون لتلك الجـ,ـثة الذي يقومون عليها بالدعاء، هل هذا الذي ملأ الدنيا ضجيج وصراخ، أهذا الذي منذ قليل كان يتحرك هنا وهناك، أين هو الآن، هو الآن أصبح جـ,ـثةً هامدة..لقد تقلصت الشفتان وشخصت العينين وبردت القدمان وتوقف اللسان، وتحرك الأهل والأحباب ولم يكن سوى عملك، فاللهم ارزقنا حسن الخاتمة..
نزل نوح إلى قبره لتلقيه لمثواه الأخير عندما انهار راكان كاملًا، فلم يعد له القدرة على الحركة أو الكلام بعدما أصيب والديه بجلطة أودتهم لحجزهم بالمشفى..
كانت تقف بعيدًا وعبراتها تنسدل بقوة على خديها بجوار أختها تبكي وتردف..أنا السبب أنا اللي قتـ,ـلته، ربنا ينتـ,ـقم منكم..قالتها سلمى بنحيب..
طالب الشيخ بمسامحة الفقيد، رفع راكان نظره إلى ليلى التي تمكث بأحضان والدتها وأختها وتبكي بصمت، اتجه إليها أمام الجميع، بعدما أنهى الشيخ الدعاء، وسحبها من كفها حتى وصل إلى جـ,ـثة أخيه:
-سامحيه، مش عايز أكتر من إنك تسامحيه، عشان يرتاح..كان الجميع ينصت حتى يسمعوا حديثه، ولكنه كان صوته منخفضًا من كثرة آلامه..ضغطت على كفه حينما فقدت الكلام..
شعرت بالدوران يجتاحها وهمست له:
-مسامحاه ياراكان، قالتها وغمامة سوداء تسيطر عليها، فهوت ساقطة بين ذراع نوح الذي تحرك خلفهما.. ووقف على بعد من خطوة..
كان ينظر إليها ولم يرف له جفن، حملها نوح وأسرعت والدتها ووالدها عليها، متجهين لسيارتهما..
بعد فترةٍ انتهى دفـ,ـن الفقيد، وقف أمام قبره ينظر بجمود، كجمود عيناه التي توقفت عن البكاء، فلقد رحل أخيه، والظلام حاوطه من أعدائه، والضـ,ـربات تهاوت لقلبه، وكأن القدر يصفعه دون رحمة، كان يقف بنظارته السوداء التي غطت حزن عيناه ولكن كيف للعين أن تحزن دون حزن القلب، فالقلب أصبح دامي..
-هتفضل واقف كتير هنا، قالها حمزة الذي يقف خلفه..ظل ينظر لقبر أخيه:
-عايزك ورا قاسم الشربيني متسبهوش غير وهو على حبل المشنقة.
اقترب حمزة قاطبًا حاجبه:
-عمل إيه تاني؟! ظل كما هو ولم يجب، ثم استدار متحركًا كشخصٍ آخر إلى أن وصل لسيارته:
-الحـ,ـادثة مدبرة، وسليم كان بيتعاطى حاجة هو اللي عمل فيه كدا، عايزك إنت وجاسر تجبهولي من غير غلطة..
قالها واستقل سيارته بطريقه للمشفى..
بعد مرور أسبوعين..
دلفت ليلى إلى المكتب بساقين متهاويتين، بملامح مرتجفة وعينين تهتز من ثقل العبرات، وقلب فتته الوجع، اتجهت تقف أمامه، كان جالسًا مغمض العينين، شاحب الوجه، رُسمت ملامحه بوجع، رغم مافعله بها في تلك الأيام المنصرمة إلا أنها أشفقت عليه كثيرًا،
تمتمت بصوتٍ متقطع:
-“راكان” ممكن نتكلم شوية؟..فتح عيناه التي تشبه قرص الشمس ولكن يغشوها الحزن والوجع..
اعتدل جالسًا ولم يجبها، جلست بمقابلته تفرك يديها، ثم رفعت عينيها إليه، كان ينظر في اللاشيء، انزلقت دمعة غائرة من طرف عينها:
-عايزة أقولك أنا ماليش دعوة باللي حصل لسليم، اللي عملته كان ردة فعل على اللي حصل..
رفع عينيه إليها وبداخله نيران تغلي وتحرق أوردته التي ثارت عليه بالحال من وجودها..
استند بظهره للمقعد وتحدث بهدوء رغم نيرانه التي تحرق دواخله:
– سليم الله يرحمه يامدام، حقه وهعرف أخده منك ومن غيرك، جاية بعد إيه تكلميني، بعد مامات وشبع مـ,ـوت، عايزة تعرفي مين السبب في مـ,ـوته؟…أشار بيده عليها وعلى نفسه:
-أنا وإنتِ، أنا اللي موثقتش في أخويا، ومقدرتش أحافظ عليه، وإنت وغرورك لما حاول يفهمك إنه مظـ,ـلوم..
صاح بصوته على إحدى العاملات:
-روحي هاتيلي فرح، وابعتيلي كاترين ونعيمة..
تحركت العاملة من أمامه بعدما ردت بطاعة:
-حاضر ياباشا…بعد قليل وصلت فرح، بملامح شاحبة، وجسدًا ينتفض رعبًا وقفت أمامه:
-بعتيلي ياأبيه، نهض يضع يديه بجيب بنطاله واتجه إليها:
-جواز سفرك جاهز، بالليل ماألمحش خلقتك دي هنا، وحياة ربنا يافرح أنا اللي حاشني عنك وخليتك عايشة لحدِّ دلوقتي أمي ليس إلا، هتتغابي وتعملي حوارت هتكون بمـ,ـوتك..
تراجع خطوة يشير على نفسه قائلًا:
-اللي واقف قدامك دا بايع الدنيا واللي فيها، يعني مفيش حاجة هخسرها لسة، بس اللي مخليني واقف بعقلي أمي وسيلين فخليني بعقلي، ودلوقتي قبل ماتمشي احكي للمدام إيه اللي حصل في الليلة إياها..
هزت رأسها بالرفض:
-أبيه راكان أنا ماليش دعوة، هم اللي قالولي لو بتحبي سليم لازم تعملي كدا عشان يرضى بالأمر الواقع ويتجوزك..
أشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه التي احترقت باحمرارٍ داكن، وملامحه التي اكفهرت فدبت الرعب لقلب فرح، دنا يجذبها من خصلاتها:
-متقوليش حاجة أنا عارفها ياحيوانة، أنا عايز اللي يخص المدام، سليم عمل إيه معاكِ، وقفت ليلى تخلصها من يديه:
-راكان سيب شعرها حرام بتوجعها، اتجه بنظره إليها ورمقها بنظرةٍ نارية:
-اخرسي، مش عايز أسمع صوتك، دورك جاي، دنا يهمس لفرح بهسيسٍ مرعب:

