
-ماهو إنت لازم تقوم، مش هسيبك تستسلم كدا، لازم تفوق عشان ابنك وأمك، استمع إلى همسه:
-“ليلى”كررها عدة مرات، أطبق راكان على جفنيه بقوة حتى شعر باحتراقِ عبراته:
“راكان”..أردف بها سليم بتقطع، دنا منه:
-بلاش تتعب نفسك حبيبي، ليلى في الطريق.
حاول رفع يديه ليمسك يد راكان، وهمس بصوتٍ يكاد يُسمع:
-خلي ليلى تسامحني، أنا مخنتها…ش، أنا بحبها..
تقاطعت أنفاسه وارتفع صوت الأجهزة، دنا راكان منه:
-حبيبي متتكلمش، ليلى دلوقتي هتيجي، انسدلت عبرة بجانب جفنيه وأكمل:
-مش هتيجي، ليلى مش هتسامحني، ابني ياراكان، ابني وصيتك، مفيش حد هيحميه زيك..
انسدلت دموعه كالشلال وهو يستمع لحديث أخيه فأردف بصوتٍ مفعم بالبكاء:
-سليم اسكت، إنت هتقوم وتربي ابنك، لازم تقوم سمعتني، سليم لو بتحبني قاوم عشان ابنك، ومراتك..
أغمض عينيه وهو يهمس بصوته المتقطع:
-“ليلى” ياراكان…هنا استمع لصوت إنذار توقف الأجهزة وتوقف النبض نهائيًا..
جحظت أعين راكان عندما انزلقت يدا أخيه من يديه، وانسدلت العبرات بقوة، وتوقف نبضه، أسرع الأطباء إلى الغرفة، بوقوف حمزة ويونس الذي شعر وكأن الأرض تميد به عندما حاول الأطباء لفترة إنعاش قلبه، ولكن لقد انتهت حياتك ياانسان ولم يتبق سوى المرحوم فلان ابن فلان..وصل حمزة إلى راكان الذي وقف ونظراته مصوبة تخترق أخيه وهو يهز رأسه رافضًا، عندما تملك الرعب من قلبه بمايصير، ارتجفت أوصاله من الذعر من هيئة الطبيب وهو يهز رأسه:
– آسف البقاء لله، ربنا يصبركم..
تجمد بوقوفه وتثلجت أوصاله، حينها شعر بالبرودة تجتاح جسده بالكامل، حاول حمزة سحبه للخارج ولكن كأن ساقيه تصنمت وجسده شلَّ بالكامل، اتجه بنظره إلى حمزة وإلى يونس مرة وهو يبتسم من بين دموعه:
-سامعين الدكتور بيقول إيه؟! حد يقولُّه هو اتجنن ولا إيه، قوله يايونس سليم عايش بس هو اللي غبي ومش عارف يصحيه..
تنقل بخطواته حتى وصل إلى فراش أخيه ونزع عنه جهاز التنفس، وبعض الأبر المغروزة به والأجهزة الموصلة به، ورفعه بين أحضانه ينظر لملامح وجهه التي كادت أن تختفي بسبب الحادث الذي تعرض له..
اتجه بنظره إلى يونس وأردف كالذي فقد عقله:
-تعال شيل ابن عمك معايا، لازم نخرج من هنا.
توقف الطبيب يمنعه عما يفعله، نظر حمزة للطبيب يسحبه:
-سيبه لو سمحت، هو مصدوم، شوية وهيفوق، ثم نظر إلى راكان الذي بدأ يتحرك خطوة وهو يحمل أخيه:
-أنا هأكدلكم إنه غبي، مستحيل أسيبه هنا ولا لحظة..
وقف حمزة أمامه وحاول جذب سليم من بين يديه وحـ,ـضنه:
-راكان، مينفعش كدا، فين إيمانك بربنا، كل نفس ذائقة المـ,ـوت..
رفع نظره إلى حمزة ورمقه بنظراتٍ نارية، كانت عيناه لهيب من اللون الأحمر من كثرة بكائه:
-بقولك ابعد عني، أخويا عايش، وهأكدلكم دا..
نزل ببصره لأخيه ودموعه تفترش خديه:
-كدا ياسليم، كدا تسيب الأغبياء دول يشمتوا في راكان البنداري، ويقوله عليا غبي..
ضمه كطفلٍ رضيع وشهقات مرتفعة منه:
-مش مهم ، أنا غبي، هم عندهم حق، راضي بكل اللي يقولوه، المهم تفتح عيونك، جثا بركبيته على الأرض أمام الجميع وهو ينهار وصوت بكائه شق المكان، يضم أخيه عندما تسربت برودته ليديه، ويصيح باسمه:
-سلييييييم، صرخ بها راكان حتى اهتزت جدران المشفى، وقفت ليلى بجوار نوح على باب الغرفة، وهي تهز رأسها رافضةً ماتراه عيناها..دلفت بخطواتٍ مهزوزة وعيناها المحجرة بالدموع، وصلت حيث جلوس راكان وضمه لأخيه بمشهد يبكي العدو قبل الصديق..
جلس يونس بجواره يربت على ظهره:
-راكان، سيب سليم ياراكان، هو خلاص عند ربنا، بلاش تعذبه ياحبيبي، ياله خليهم ياخدوه، ينفع تكون ضعيف كدا، سبت إيه لطنط زينب، إنت دلوقتي قوتها..
وضع كفيه على فم يونس:
-اسكت يايونس، متقولش كدا، ماما ممكن تمـ,ـوت فيها.
أطبق على جفنيه يعتصرها، ورغمًا عنه صدرت منه شهقة بكاء مريرة، خرجت من أعماق قلبه المحترقة على أخيه..
حاوطه أصدقائه وهو يضع رأسه فوق رأس أخيه ويردف:
-أنا مش هسيبك ياحبيبي، هسيبك وأروح اقول لماما إيه، أقولها ابنك التالت مات، لا محدش هياخدك مننا، لا محدش يقولي إنك مت..
ظل يردف بكلماته الهستيرية كالمجنون، كانت تقف على بُعد خطوتين منهما..لم تقو على الحركة، أنظارها على الجاثي الذي يحمل أخيه بأحضانه ويبكي بهستيريا، تمنت حينها لو تصرخ من أعماق قلبها صرخةً لتزهق روحها مما رأته..
أيعقل ماحدث، لقد ذهب زوجها عن دنياه وهو حزين، هل يعقل أنها لن تراه مرةً أخرى..
لن تلمسه!!. وضعت كفيها على أحشائها وانسدلت عبراتها تحرق وجنتيها:
-ابني هيجي الدنيا من غير أب…آهة خفيضة خرجت من جوفها بنيرانٍ تكويه، تحركت كجسدٍ بلا روح إلى أن وصلت إليهم، نهض يونس عندما رآها..
جثت بركبتيها بجوار راكان، هنا انهارت قواها وشهقات مرتفعة ببكائها وهي تردف:
-“سليم” أنا جيت، بسطت يديها إليه تمسد على خصلاته وهمست من بين بكائها:
-“سليم” ماتعملش فيا كدا، قوم حبيبي، قوم أنا مش زعلانة، اتجهت بنظرها إلى راكان:
-راكان سليم ماله، وشايله كدا ليه، وليه جسمه عامل كدا؟!..قالتها بشهقات مرتفعة..
هنا أفاق راكان ، يمسح دموعه بجانب كفيه، يرمقها بنظراتٍ جحيمية، قائلًا بصوتٍ كفحيح أفعى:
-خدو البت دي من قدامي..صدمة عنيفة أصابتها وهي تهز رأسها وعبراتها تتجمع بعينيها:
-راكان متعملش كدا لو سمحت، أنا مكنتش أعرف..
لم تتحرك عضله من وجهه واستمر على نفس وضعه، أمسكت كتفه:
-“راكان” صرخ بصوتٍ جهوري غاضبًا
-قولت خدوها من قدامي، مش عايز أشوف وشها قدامي..
اقترب نوح يجذب ليلى عندما وجد تحول راكان للجنون..
ليلى قومي معايا حبيبتي..تعالي، هزت رأسها رافضةً حديثه:
-عايزة أشوف جوزي يانوح، هو سليم عامل كدا ليه، أوعى تقولي إنه..قالتها وهي تضع كفيها على فمها تبكي بصوتٍ مرتفع..
جذبها راكان من ذراعها بقوة واشتعلت نظراته بشكل مخيف غارزًا أظافره في لحمها يتعمد إيلامها، ثم هدر بصوتٍ كاد أن يخترق أذنيها:
-وحياة أخويا اللي مـ,ـوتيه بحسرته لأنتـ,ـقم منك، وأعرفك إزاي تعاندي، قالها ثم دفعها بقوة حتى سقطت بجلستها..
أسرع نوح إليها يضمها لأحضانه يربت على ظهرها، يهز رأسه بغضبٍ إلى راكان:
-أنا مراعي حالتك مش أكتر..قالها نوح وهو يساعد ليلى في النهوض:
-تعالي حبيبتي، تعالي ارتاحي، جوزك في ذمة الله دلوقتي، ادعيله بالرحمة..
وضعت رأسها بأحضانه وهي تبكي بنشيجٍ وشهقات مرتفعة:
-متقولش كدا يانوح، قولي دا مقلب عشان أسامحه، والله أنا مسمحاه، خليه يفتح عيونه يانوح، محدش يقولي إن ابني هيجي مالوش أب..

