
ضيقت عيناها متسائلة:
-ودا عايز إيه، هو مفكر هرد عليه دا بيحلم..
وضعت الهاتف بالحقيبة ولم تجبه، صار يهاتفها عدة مرات متتالية وكأنها لم تستمع لرنين الهاتف..
زفرت بملل من صوت الهاتف، فاستمعت إليه مرة أخرى بعدما انقطع الرنين:
-نعم..افندم، لسة ناوين تعملوا فيا إيه؟..
سحب نفسًا وزفره، حتى أفرغ شحنات ندمه وبأسه وتذكر كلماته التي اخترقت قلبه تعنفه على إهانتها وإيذائها..حمحم ليجلي صوته:
-ليلى اسمعيني كويس، سيبي كل الخلافات اللي بينا، وتعالي مع يونس، سليم عمل حادثة وهو عايز يشوفك..
على رغم انشطار قلبها من كلماته الحزينة، إلا أنها أردفت بقسوة:
-لا إلعب غيرها إنت وأخوك، أنا مستنية ورقة طلاقي، سمعتني ياحضرة المستشار، غير كدا ياريت تنسى في يوم إنك قابلتني..
كانت أنفاسه المرتفعة تخترق أذنها، حتى قاومتها بشدة،وأكملت ماهشم قلبه:
-راكان لو سمحت سبوني في حالي، عايزة أرجَّع نفسي اللي ضاعت من يوم ماعرفتكم..
صرخ بوجهها عندما فاض به الحال:
-عشر دقايق وتكوني هنا مع يونس، وبلاش شغل الستات دا، وشغل الكرامات دا، جوزك عمل حادثة يامدام..
أغلقت الهاتف بوجهه وصاحت بصراخ:
-كداب واحد كداب، إزاي سليم عمل حادثة، وعمو أسعد نايم تحت وماما زينب، دا بيشتغلني، وحياة ربنا لأدوس عليكم كلكم، وضعت يديها على أحشائها:
-متخافش ياحبيبي هعرف أربيك في بيئة نضيفة عن القذارة دي، سحبت حقيبتها وأمسكتها متجهةً للخارج،
هبطت كانت زينب تجلس بغرفة المعيشة توقفت عندما وجدتها، انسدلت دموعها وأردفت بصوتٍ حنون:
-ليلى، روحي ارتاحي يومين ياحبيبتي يومين وتعالي، بلاش تخلي الشيطان يفرح فيكم ياحبيبتي.
دنت بخطوة من زينب أامسكت كفها:
-عايزة أقولك حاجة ياطنط زينب، أنا بحبك قوي، بجد لو حزنت في البيت دا، هحزن على فراقك بس مش أكتر..
جذبتها زينب لأحضانها تربت على ظهرها:
-لا مفيش فراق ولا حاجة، هتروحي ترتاحي شوية، ومتخافيش هربيلك سليم، بس عايزاكي تتأكدي إنه مظلوم، سليم مش بتاع كدا..
تذكرت حديث راكان فأردفت:
-طيب ممكن أطلب منك طلب..أومأت زينب برأسها وتحدثت:
-قولي ياحبيبتي…حمحمت ليلى قائلة:
-اتصلي بسليم وعرفيه، عشان ميرجعش يلومني..
أمسكت هاتفها سريعًا لمهاتفته، ظل الهاتف يرن بيد راكان الذي جلس بجوار نوح بجسدٍ هاوي، لا يشعر إلا باختناقِ أنفاسه، بسط يديه إلى نوح بالهاتف:
-رد على ماما، قولها سليم راكب الحصان وبعيد عني، مش عايزها تعرف دلوقتي لما أطمن عليه، دي ممكن تروح فيها..
أومأ نوح برأسه ساحبًا الهاتف:
-طنط زينب حبيبتي..نظرت زينب إلى ليلى مبتسمة:
-عامل أيه ياحبيبي، ينفع تيجي وتمشي من غير ماأشوفك، نهض نوح مبتعدًا عن راكان الذي جلس مغمض عينيه من قسوة الألم الذي يشعر به بصدره،
أكيد عايزة سليم مش كدا؟..أجابته زينب:
-أيوة ياحبيبي ياريت أكلمه، قوله مامتك عايزاك ضروري..
وقف نوح ساكنًا للحظات يفكر بحديث راكان فأجابها سريعًا ورغم سرعة حديثه إلا أن الحروف خرجت ثقيلة عندما أردف:
-سليم بعيد عني ياطنط، راكب الحصان هو وراكان، لما يرجعوا هخليهم يكلموكِ..
هزت رأسها بتفهم قائلة:
-طيب يا حبيبي، خليهم يكلموني ضروري، وخصوصًا سليم، قلقانة عليه من وقت ماخرج بحالته دي، وقلبي وجعني.
هنا انزلقت دمعة من جفنيه وهو يطالع راكان الذي مازال على حالته، فأجابها:
-أكيد ياطنط زينب، وقت مايوصل هخليه يكلمك، ممكن تدعي له كتير، شكله حزين ومضايق قوي، ادعيله ياطنط زينب، محتاج لدعواتك كتيير.
-ربنا يسعد قلبه ياحبيبي، بدعيله يانوح، وهروح أصلي وأدعيله كمان هو وراكان..
أغلقت الهاتف تنظر لليلى المنتظرة حديثها على نيرانٍ ملتهبة خاصة عندما ذكرت دعوتها..
أمسكت كفيها تطالعها بنظراتها المستفهمة دون حديث، ورغم ماتشعر به زينب من اختناق صدرها إلا أنها ابتسمت لها تربت على يديها التي احتضتنت يد زينب قائلة:
-هو مع راكان في مزرعة نوح، راكبين الأحصنة، وطبعا بيكونوا مجانين زي العيال الصغيرة، بيجروا في المزرعة، لما يجي هخليه يكلمك، وهفهمه كل حاجة..
هزت رأسها رافضة وتحركت بعض الخطوات تبحث عن سيلين:
-لا خلاص، حبيت أعمل كل حاجة عشان مطلعش وحشة، وشوفي سابني وراح يعمل إيه أنا كنت همشي، ممكن تنادي لسلين لو سمحتِ؟..
جلست على المقعد:
-سيلين مستنياكي برة.
تحركت للخارج تبحث عن سيلين التي كانت تقف تنتظرها بجوار سيارتها حزينة على ماصار لأخيها..وصلت ليلى واستقلت بجوارها وهي تهمس لنفسها:
-واحد كذاب، معرفش الراجل دا إيه، حياته كلها كذب وخداع ومقرفة..
وصلت ليلى بعد قليل لمنزل والدها..دلفت للداخل بعدما فتحت درة الباب ووجدتها بحقيبتها بصحبة سيلين..وصلت والدتها إليها:
-إيه دا يابنتي، إيه اللي معاكي دا؟!..
دققت النظر بعينيها، دنت مقتربة:
-ليلى، مالك إنتِ معيطة ولا إيه؟!!
هزت رأسها بالنفي وتحركت للداخل، وهي تحاول ألا تبكي أمام والدتها..
-إيه ياماما مش عايزة بنتك ولا إيه؟!
جاية أقعد شوية عندكم، ولا معدش ليا مكان في البيت؟..
سحبتها والدتها وهي لم تقتنع بكلماتها، جلست وأجلستها تنظر إلى سيلين:
-اقعدي حبيبتي واقفة ليه، استمعت سيلين لهاتفها فتحركت معتذرة:
-انا مش قولتلك ما تتصلش بيا تاني..
مسك يونس هاتفه بأصابع مرتعشة وأعطى الهاتف إلى راكان الذي حاول لملمة شتات نفسه:
– سيلي حبيبتي إنتِ فين ومعاكِ ليلى؟!
أجابته سيلين بنبرةٍ يشوبها الحزن:
-أيوة ياأبيه، ماما قالتلي أوصلها لبيت باباها، فيه حاجة؟..اشتعلت نيران الغضب لدرجة جعلته يتوعد إليها، بعدما أخبره يونس أنها خرجت بصحبة سيلين..
-تمام حبيبتي ارجعي على البيت حالًا، لما توصلي كلميني هطلب منك حاجة من هناك…استمع لحركات الأطباء تتجه بحركاتٍ سريعة نحو العناية التي يوجد بها سليم..
تحركوا سريعًا متجهين للعناية، توقفوا أمام النافذة والأطباء يحاولون انعاش قلبه..
جف حلقه ورجفة أصابت جسده، وعيناه على نبضات قلبه الذي توقفت يهمس:
-ياله ياسليم، ياله حبيبي اتمسك بالدنيا عشان ابنك، لحظات عدت كسنوات عليه..
رفع يديه على الزجاج وكأنه يلمسه وعيناه تحجرت بالدموع لأول مرة، يشعر بتوقف قلبه لما رآه من حالة أخيه..عاد تنفسه عندما عادت نبضات أخيه، خرج الطبيب، أسرع إليه راكان:
-إيه اللي حصل؟! ليه قلبه وقف؟!
وزع الطبيب نظراته بينهم قائلًا:
-أنا فهمتكم الوضع حالته خطيرة، اتجه راكان بنظراته إلى نوح وأردف:
-كلم باباك يجهز لسليم غرفة في المستشفى بسرعة، لازم أنقله من هنا، أنا مش كل شوية همـ,ـوت من الخوف عليه..
توقف الطبيب أمامهم يحذره من نقله:
-اللي بتعمله غلط، مش عايز أقولك أخوك يعتبر ميت..أظلمت عينا راكان بشكلٍ مخيف، وأطبق على عنقه قائلًا:
-حياتك قصاد حياته سمعتني..
جذبه يونس بقوة وصاح بغضب:
– راكان اتجننت، ابعد عنه هتمـ,ـوته، استدار يونس إلى الطبيب:
-إحنا هنجيب دكاترة تانية، اعذرنا دا مش تقليل منكم أبدًا بس دول دكاترة العيلة، فياريت تقدَّر الحالة اللي إحنا فيها.
هز الطبيب رأسه ولكنه قبل تحركه أردف:
-معنديش مشكلة، لكن ممنوع خروجه بالحالة دي.
أعاد راكان خصلاته للخلف محاولًا السيطرة على نفسه، زفر الهواء الذي أصبح كنيران تلتهم جوفه:
-اتصل بأسما يانوح خليها تجبلي بنت خالتك، لازم تكون هنا، أنا معرفش إيه اللي هيحصل.
أجابه نوح بحزن:
-أسما مش هنا ياراكان، أسما عند والدتها بالجيزة، أنا هروح أجيبها..
أوما برأسه مع وصول حمزة الذي وقف يوزع نظراته بينهم:
-سليم ماله، وإيه اللي حصل؟!
تحرك راكان إلى غرفة العناية مرةً أخرى، بينما جلس يونس وحمزة بالخارج، في حين ذهاب نوح لليلى،
دلف للداخل يجلس بجواره، يمسد على خصلاته:
-سليم حبيبي، كدا تخضني عليك، ياله قوم، بلاش تمـ,ـوت أمك ياسليم..
وضع رأسه بجانب رأس أخيه، وشهقة ملتاعة بالألم خرجت بأنفاسه الحارة:
-مبقاش لماما غيرك ياسليم، عايز تمـ,ـوتها بحسـ,ـرتها، مهما كان أنا وسيلين مش ولادها، ياله حبيبي لو بتحب ماما افتح عيونك وارجع..
دقائق مرت عليه وهو يحادثه، حتى شعر كصخرة منعت تنفسه حينما وجده على حالته كجـ,ـثة هامدة، رفع كفيه يحتضن كف أخيه:

