
أومأت برأسها موافقة حديثه
– فعلا حضرتك، وبنرجع نقول ليت الزمان يعود يوما، اط.لق ضحكة خافتة ورفع بصره يدقق بنظراتها المشتتة:
– وليه مانقولش نعيش الحاضر ونبني للمستقبل وندفـ,ـن الماضي، بدل الماضي بيوجع قلوبنا ليه نعمله مكانة
كان يشدد على كل كلمة تخرج من بين شفتيه وكأنه قاصدا حديثًا بعينيه
تقابلت بعينيه التي يدقق بها فتسائلت:
-اللي مايحفظش على ماضيه مش هيبني مستقبله ياحضرة المستشار
وضع ذراعيه على الحصان، واقترب بجسده منها ينظر لعيناها مباشرة :
– أسما إحنا مش الفراعنة عشان نتكلم ونتباهى على إنجازات ماضينا، إحنا ناس اتأذينا من الماضي، واللي ياذينا ندفـ,ـنه
ظلت تطالعه تفكر بحديثه بشتى المعاني فهمست
– مش فاهمة معنى كلام حضرتك..اتجه للخارج مردفًا
– إيه بقيتي بخيلة ولا إيه، عايز اشرب قهوة وياريت سادة
تحركت خلفه وجدته يجلس أمام بعض الشجيرات التي يقوم المزارع بقصهم ، اتجهت لمنزلها وأعادت بعد قليل عندما علمت أن وجوده ماهو إلا من أجلها
جلست بمحاذته وتحدثت بهدوء:
– سامعة حضرتك ياسيادة المستشار
– منير العشري، قالها وهو يرتشف من قهوته بهدوء ويتلذذ بطعمها، فاردف وكأن الاسم الذي قاله اسم عادي لا ينتمي لها
– يابخت نوح بيكِ عليكي فنجان قهوة حقيقي تسلم ايدك، ظلت تناظره لبعض اللحظات فابتسمت بسخرية
-هو حضرتك بتتريق، وضع الفنجان ناظرا إلى مقلتيها مباشرة وهو يستند بظهره على الأريكة واضعا ساق فوق الأخرى
– بصي انا مبحبش اللف والدوران، منير العشري ابوكي، إشارة منك اخليه يتمنى المو.ت، بس نصيحة مني، بلاش مهما كان دا اسمه أبوكي، والواحد مابيخترش ابوه وأمه
انسدلت عبرة بجانب عينيها فتسائلت بصوتًا متقطع
–
حضرتك عايز توصل لأيه؟!
نصب عوده، واضعًا يديه بجيب بنطاله ثم اردف
-يعني لو خايفة منه ومن تهديد يحيى الكومي، أنا بقولك ماتخفيش، أنا لو عايز ادفـ,ـنه هدفـ,ـنه لكن محبتش أعمل كدا من غير مااقولك
نهضت تقف أمامه:
– الموضوع مش بابا ابدا، وبما أن حضرتك عارف تهديد دكتور يحيى، فأنا وعدته ابعد عن نوح، مش معقول اعض الايد اللي وصلتني لكدا
إستدار إليها عندما اشتعل غضبه من حديثها:
– محدش له فضل عليكي يااسما، انت وصلت لكدا بمجهودك، شهادتك اخذتيها بتعبك مش اشترتيها بفلوس يحيى الكومي، أما الفلوس اللي كان بيدهالك دي مش شفقة، دا لتعبك في المزرعة
اقترب خطوة منها وأكمل حديثه:
– كلنا عارفين شغفك للزرع وحبك للارض، وانتِ المسؤلة الأولى عن المزرعة دي، يعني محدش فضل عليكِ، ليه بتستقلي بنفسك
هزت رأسها رافضة حديثه :
– حضرة المستشار إنت مش عارف حاجة، قالتها بصوتًا مقهور وحالة العجز التي انتابتها
وهي تغطي ألمها بغلاف شفاف من التنهيدات المنحصرة تخرجها مع الهواء ثم استدارت له وأكملت:
– أنا والدكتور نوح مننفعش لبعض، زي مابيقولوا كدا هو الملك وأنا الجارية بتاعته
انتِ واحدة غبية ياأسما، قالها راكان بصوت غاضب، تحرك بعض الخطوات مغادرا، ولكنه توقف واستدار بنصف جسده :
– البنت اللي تستقل بنفسها متستهلش حب زي حب نوح، رفع سبابته وتحدث بتحذير
– يبقى امشي من هنا خالص، بلاش تقعدي وتعذبيه، اقترب خطوة وأكمل
– مش مستعد اخصر صاحبي عشان واحدة غبية مش عارفة قيمة نفسها، ودايما بتحارب الراجل اللي بيعمل المستحيل علشانها
استدار ولكنه تذكر شيئا فاردف وهو يواليها ظهره
– نوح مالمسش البنت اللي اتجوزها ياباشمهندسة، ومش بس كدا، لا دا قال على نفسه انه مش راجل في وسط عيلته عشان بيحب واحدة غبية
قالها وتحرك مغادرا بسيارته بعدما أشعل قلبها بض.ربات عشقها
فاقت من شرودها عندما اقترب راكان من أسما
واضعا يديه بجيب بنطاله ينظر إليها بخبث
– اقعد ياعم الشيخ عندنا كتب كتاب الدكتور على المجنونة اللي شايفها مستنية عريسها بترنج، عمرك شوفتِ عروسة كدا
اتجهت سريعًا للداخل، وكأن قلبها تحول لمعزوفة من الضر.بات الموسيقية، جلست على مخدعها وهي تضع يديها على قلبها، ثم أمسكت هاتفها
– ليلى ممكن تيجي لعندي حالا، بليز ليلى، كانت تجلس على تختها تقرأ بمصحفها بجوار سليم الغافي
تحركت للشرفة حتى لا تيقظ زوجها فتسائلت حينما شعرت بشيئا
– مالك ياأسما؟!
ابتسمت أسما مع عبراتها المنسدلة وتحدثت
-تعالي بسرعة وانتِ تعرفي يالوله بسرعة
وقفت للحظات تنظر من الشرفة تفكر بأمر صديقتها، ثم اتجهت لزوجها، مسدت على خصلاته، فتح عيناه نصف فتحه وأردف
-فيه حاجة حبيبي، نزلت برأسها تقبله على خديه ثم تحدثت
– عايزة أروح لأسما، لو ينفع يعني، أخد عربيتك، وبعد ماتصحى من النوم يبقى تعالى لي
نظر بساعة هاتفه
– الساعة تمانية، أنا مفكر نمت كتير، جذبها فجأة ناظرًا لمقلتيها
– بقولك عايز رشوة الأول، لكزته عندما علمت مايريده، هزت برأسها وحاولت الفكاك من قبضته
– وسع ياسليم، ولكنه التقط ثغرها بقبلة
شغوفة، تركها بعد قليل ثم إستدار للجانب الآخر
-امشي بسرعة قبل مااغير رأيى وانومك جنبي، عندي عشا عمل وهخلص وأجيلك
ارتدت ملابسها سريعا متجهة لغرفة سيلين
-ممكن ادخل، نهضت سيلين التي كانت تظهر على ملامحها البكاء واجابتها
– تعالي اتفضلي، حمحمت ليلى وهي تفرك بيديها :
– ممكن نخرج مشوار أنا وانتِ، بصراحة سليم بقاله يومين سهران، ونايم ومش عايز يصحى، وكمان عنده إجتماع واسما كلمتني وعايزة اروحلها حالا وأنا خايفة اخوكي يفضل نايم وأرجع لوحدي
ابتسمت سيلين من وسط حزنها، وأمسكت يديها
– اول مرة احس إنك طفلة كدا، ابتسمت ليلى لها وأجابتها :
– مش موضوع طفولة، لكن متعودتش أخرج ارجع البيت في وقت متأخر، ولولا إنها محتاجني عمري ماأخرج بالليل لوحدي
اتجهت سيلين لغرفة ملابسها وهي تضحك عليها
– شكلك عايشة في العصر الحجري يابنتي
❈-❈-❈
بعد قليل وصلوا للمزرعة، دلفت السيارة من الباب الرئيسي، ولكنها توقفت من كثرة السيارت التي توجد بالمزرعة
اتجهت بنظرها لسيلين وأردفت
– دا شلة الفاشلين كلها هنا، ذهبت سيلين بأنظارها لتلك السيارة التي أمامهم مباشرة وأردفت :
– إيه اللي جاب يونس هنا، ترجلت ليلى وهي تخطو ببطئ متجهة إلى سيلين
– معرفش ايه اللي بيحصل، تعالي هنعرف دلوقتي
وصلتا أمام المنزل تفاجؤ بوجود راكان ويونس ولميا يجلسون على طاولة ويبدو إنها مزينة لحفلة ما
اقتربت حتى وصلت أمامهم بعودة حمزة الذي يتحدث بهاتفه :
– اذيك ياباشمهندسة، أردف بها حمزة، هنا استمع راكان لصوت ليلى وبجواره سيلين التي تهرب من يونس الذي ما أن رآهما توقف سريعا متجهًا اليهما
– بتعملي إيه ياسيلين هنا دلوقتي؟!
أسرعت لراكان الذي توقف ينظر إليهم بنظرات مستفهمة
– سيلين خير جاية هنا ليه، ألقت نفسها بأحضانه
– راكي حبيبي وحشتني
رفع حاجبه بسخرية وتحدث متهكمًا
– مجنونة يابت، أنا كنت معاكي الصبح، رفع بصره لليلى التي تحركت بجوار حمزة تتحدث إليه
– إيه اللي بيحصل هنا ياأستاذ حمزة، حمحم حمزة لامسا أنفه ثم أجابها
– بنجوز أسما لنوح، جحظت عيناه، ثم وضعت يديها على فاهها من الصدمة مردفة
– اكيد بتهزر مش كدا، وضع يديه بجيب بنطاله
– ليه بتقولي كدا؟!
وأخيرًا أسما وافقت ورحمت نوح ، رفع نظره لراكان وأكمل
– عقبال راكان عليه الدور إن شاء الله
أومأت برأسها وتحركت متجهة إلى منزل أسما دون أن تعريه إهتمام
دلفت للداخل قابلها نوح ابتسم إليها
– كنت عارف إنها هتكلمك، إيه سليم معاكي
هزت رأسها رافضة
– لا رجع من الشغل نام، وعنده اجتماع وأنا معرفش يادكتور حتى العروسة مقلتش، قالتها بغضب،ثم دلفت لغرفة أسما
مابين الانتفاضة والرعشة والفرحة والخوف، إستدارت أسما تنظر إليها، وعبراتها تترقرق على خديها، اقتربت مبتسمة تضمها بمحبة
-ألف مبروك ياحبيبتي، ربنا يسعدك دايمًا ياأسما
احض.نتها تتشبث بها
بقوة هنا فقدت سيطرتها وانهارت باكية بأحضان ليلى، مسدت ليلى على خصلاتها وبكت لبكائها، ثم اخرجتها بهدوء تحتضن وجهها
– انا معرفش إيه اللي حصل، لكن اللي أعرفه إن دا احسن قرار ياأسما، صدقيني حبيبتي مفيش أنك تكوني سعيدة في حض.ن اللي بتحبيه، بلاش تفقدي الحاجة الوحيدة اللي بتخليكي تقاومي عشان تعيشي
انتقلت أناملها لتزيح بعض خصيلات شعرها التي التصقت بوجهها بسبب بكائها ، فرفعت وجهها مبتسمة
-حاربي عشان دا، قالتها ليلى وهي تشير لقلبها
دا هيخليكي إنك مالكة الدنيا ومش محتاجة حاجة، كانت تقف على باب الغرفة وعبراتها تنسدل بغزارة من كلمات ليلى، أسرعت للخارج عندما
فقدت قدرتها على التحمل، لقد انشق قلبها وأصبح لا يصلح للنبض، تعشقه حد الجنون، وابتعاده وهجرها له فقدت طعم الحياة حتى شعرت بعلقمها، تود ولو تلقي بنفسها بأحضانه، رآها آخاها الذي أنهى مكالمته للتو، توجه إليه ووقف خلفها
– وبعد ماتعيطي، وقلبك يوجعك هتستفيدي ايه، هل وجع قلبك ولا عياطك هيفيدك
إستدارت إليه تطالع بعينها الباكية فخطت إلى أن توقفت أمامه
– بقالي اكتر من اسبوعين بحاول أوازن نفسي، وبحاول أسيطر على شيطاني، لكن شيطاني غلبني وغلب تربيتي ياآبيه
– انا بنت مين؟!
أنا اختك فعلا زي ماكلكم بتقولوا، ولا بنت ملجأ زي مايونس بيقول
اختل توازنه قليلا وشعر بدوران الأرض وكأنها تسحب من تحت اقدامه، كأن حديثها اخترق قلبه بنيران الوجع الذي ستواجهها، نظر للبعيد يهرب بنظراتها التي صوبتها لعيناه الشمسية بقوة كصياد مفترس يوجه بندقيته للصيد
بتركيز، دنت بخطواتها حتى أصبح لا يفصل بينهما انش واحد ثم رفعت كفيه بين راحتيها مع انسدال عبراتها من حالته وسكونه، علمت حينها سقوطها بمهب الريح
همست من بين بكائها ومازالت تمسد على كفيه بحنو وتنظر إلى كفيه:
– يعني الراجل الحنين اللي واقف قدامي دا مش اخويا، طلعت كذبة، وسليم كمان مش اخويا، ولا ماما زينب ولا بابا طلعوا أهلي، يعني أنا كذبة، حياتي كلها كذبة
رفعت نظرها مع يديها المرتجفة تحتضن وجهه
– قولي إن الكلام دا كذب، قولي أنك اخويا حبيبي وسليم برضو اخويا، متسكتش كدا ياراكان
جذبها لأحضانه بقوة وكأنه يخفيها عن العالم
-اقسم بالله إنتِ اختي، وسليم اخوكي، متسمعيش كلام حد حبيبتي، هتفضلي اختي اللي ربيتها لحد آخر يوم في عمري
خرجت من أحضانه مبتسمة وهي تومئ برأسها
– يعني يونس بيكذب عليا ياراكان صح
وصل يونس
وهو يضع يديه بجيب بنطاله مقاطعًا حديثها:
– مين اللي بيكذب ياراكان، أنا ولا إنت
تحركت إليه كالمجنونة وبدأت تلكمه بقوة
– اخرص يايونس، تعرف أكتر واحد قرفانة منه انت
حاوط خصرها بقوة وهو يطالع راكان وصاح بصوت صاخب:
– قول لأختك اللي بتحلف إنها اختك هي بتكون مين، وقبل ماتفرد صدرك قوي، أنا عملت تحليل DNA ليك وسليم وهي الصدمة بقى اللي جننتي ياصاحبي
– لا أنت اخوها ولا حتى سليم ولاحتى سليم
اتجه راكان يلكمه بوجهه
-إخرص يلاَ متعرفش حاجة متتكلمش ، ناداهم حمزة لعقد القران، ضم راكان سيلين التي تنظر بتشتت وتيه حولها
– يعني إيه؟!
نظر لمقلتيها مردفًا
-بتثقي في راكان قد إيه ياسلي، النهاردة هعرف أن فعلا بتثقي في اخوكي ولا لا
وضعت يديها على يديه التي تحتضن وجهه واجابته
– بثق فيك أكتر مابثق في نفسي، قبّل جبينها وأكمل :
– نروح ووعد مني هحكيلك كل حاجة وهثبتلك إنك اخت راكان وسليم ، وسيبك من الغبي اللي بيعمل حجج عشان يبرر موقفه
رفع نظره ليونس الذي ذهل من حديثه
– انا ببرر ياراكان بقولك عملت تحليل، دفعه راكان بقوة :
– حسابي معاك بعدين يايونس، متخلنيش اوصل لقطع علاقتي بيك، ولو لمحتك جنب اختي همو.تك
سحب كف سيلين من يديها ولكنها توقفت أمام يونس واتجهت لراكان تتحدث
– ممكن كلمتين ليونس ياآبيه، زفر كم من الهواء دفعة واحدة وتحرك متجهًا لنوح وحمزة، أما سيلين وقفت قدام يونس تطالعه بنظراتها العاشقة ثم ابتسمت ترفع يديها لوجهه تحتضن وجهه ودنت تطبع قبلة على وجنتيه مردفة:
– تعرف حبيتك قوي، حبيتك حب سرمدي، حب خلاني اغير حتى من اختك عليك، حب خلاني أشوف الدنيا كلها بمبي، حب اعمى خلاني مشفش عيوبك، لكن على قد الحب دا يايونس على ماكرهتك قوي، والبو.سة اللي بـ,ـوستهالك دلوقتي دليل انك بقيت ولا حاجة، دي ذكرى من سيلين البنداري عشان كل ماتوقف قدام المرايا تفتكر أن الخد دا سيلين ودعتك بيه ومسحتك للأبد
❈-❈-❈
كانت كلماتها كأشواك تخربش جدران قلبه، حاول جذبها ولكنها نزعت نفسها تشير بسبابتها
– بتمنى ماكنش من عيلة البنداري، عشان مااندمش على واحد ذيك يادكتور
بعد لحظات خرجت أسما بصحبة ليلى وعالية وأسما، جلس
الجميع أمام المأذون الذي بدأ بعقد القران، كانت ليلى تجلس بجوارها وابتسامة جميلة على محياها، همس لنوح الذي يجاورها بالجانب الآخر
– عارف لو زعلتها هقطعك بضوافري
نظر لاصابع يديها ثم ابتسم بتهكم، الأيد دي آخرها تضر.ب قطة قاطعهم المأذون وهو يسأل عن وكيل العروس
أجابه راكان :
– العروسة وكيلة نفسها، هي معدية السن القانوني ومش محتاجة، قالها حتى لا يتطرف السؤال عن والدها، ورغم ذلك ابتسمت له عندما كان المأذون يدون بياناتهم فأردفت:
– حضرة المستشار هيكون وكيلي، صدمة اذٌهلت الحضور؛ مما أدى إلى توجه نوح بالنظر إليها
هزت رأسها وهي تسأله:

