
❈-❈-❈
في مزرعة نوح:
تجلس بمكتبها تراجع في بعض المراجع الخاصة بالنباتات…دلفت إحدى العاملات:
والد حضرتك برة يابشمهندسة وعايز يقابلك، لم تكد العاملة تكمل جملتها حتى تفاجأت من ذلك الصوت خلفها… صوتًا تمنَّت أن تنساه للأبد.
أشارت للعاملة بالذهاب..دلف والدها وهو يبتسم بفخر:
– كدا ياأسوم بقى بابا ماوحشكيش ياحبيبتي؟..
اشتعل غ*ضبها بصورةٍ كبيرةٍ من حديثه فاحتدت نظراتها واختنقت أنفاسها… عندما تذكَّرت مأساتها من ذلك الأب الذي أقلَّ مايقال عنه أنَّه أب في شهادة الميلاد فقط..
جلست بمقابلته وشعورًا مقيتًا تشعر به اتجاهه..حاولت السيطرة على حالها فأردفت:
– خير يابابا إيه اللي فكرك بيا؟…بقالنا كتير متقابلناش..
جحظت أعين والدها من مقابتلها الجافة كما وصفها:
– دي مقابلتك لبابا ياأسما بعد شهر…ثم رفع نظره وتحدث بحزنٍ علَّه يستعطفها:
– وحشتيني يابنتي هتفضلي مقاطعة ابوكي لحدِّ إمتى؟..
أمتقع لونها وانسحبت الدماء من أوردتها…عندما علمت هدفه من كلامه:
– بابا لو سمحت مهما تعمل وتقول أنا هفضل زي ماأنا مستحيل أتجوز…وزي ماحضرتك شايف أنا مرتاحة في حياتي..
وقف والدها وحاصرها وهي تجلس على مكتبها…قائلًا بنبرةٍ شيطانيةٍ مستهزئًا:
– اوعي تفكري يابتِّ إنك علشان اشتغلتي وقعدتي لوحدك تقدري تمشي كلامك على أبوكي…لاااا فوقي كدا واعرفي اللي واقف قدامك دا منير العشري يابت..
وضعت يديها على أذنيها وتحولت نظراتها إلى الكره الواضح، فاشتعلت عيناها كجمرتين من اللهب الحارق وصرخت بوجهه:
– كفاية بقى إنت مبتزهقش…كل شوية منير العشري ابن حضرة الضابط كاظم العشري..
وقفت واتجهت له وكانت لحظات غ*ضبها استحوذت عليها، فلوحت بيديها وهي تتحدث:
– أسما كبرت ياحضرة منير العشري.. وبقت تعرف تاخد حقها من كل اللي أذوها…ماهو بنت الوزِّ عوام..وأنا أحييك، علمتني كتيير أوي يامنير ياعشري.
اقترب والدها وهو ينظر لها شزرًا:
– وياترى يابشمهندسة أبوكي أذاكي في إيه لدا كله..المفروض تشكريني لولا اللي كنت بعمله مكنتيش وصلتي لكدا.. وبقيتي الباشمهندسة أسما العشري..
ضحكت بسخ*رية وهي تلطم يديها ببعضها البعض:
– دا مفيش حد أذاني أدَّك للأسف..
آه منكرش إني اتعلمت جبروتك واتعلمت أخد حقي..لكن خسرت كتير أوي.. قاطعهم دخول نوح:
– صباح الخير ياأستاذ منير،
أزدردت ريقها بصعوبة تستجمع بعض الكلم*ات؛ التي هربت من بين شـ,ـفتيها بسبب حالتها من دخول نوح..
أهلًا يادكتور نوح الحمدلله يابني إنك جيت وحضرتنا…علشان عايز أشكيلك من الباشمهندسة اللي مقاطعة أبوها دي…
نظرت لوالدها بعتابٍ بينما جلس نوح بمقابلتها، ينظر لها بهدوء وتدارك توترها فتحدث:
– مزعلة والدك ليه ياأسما؟..
انكمشت ملامح وجهها بامتعاضٍ من إفصاح والدها بما يصير بينهما،
وابتلعت غصةً مؤلمةً من نظرات نوح وأردفت:
– مفيش حاجة يادكتور سوء تفاهم عائلي بينا وهيتحل إن شاء الله..مش محتاج للغرب التدخل..مش كدا يابابا…أردفت بها وهي تنظر لوالدها حتى يخرجها من مأزقها الذي ألقاها به دون رحمة..
مسح والدها على ذقنه بعلامة تفكير..
كأنَّهُ يستغلُّ خجلها من نوح..ثم أومأ بعينيه دلالةً على فهم م*اتشير إليه:
– فعلًا يادكتور…ممكن يكون مفهمتش بنتي كويس…
وقف نوح وابتعد ومازل مسلطًا بصره عليها ثم تحدَّث:
– جيت أقولك ياأسما، استلمنا خيول جديدة..كنت عايزك تشوفيهم، وتخلِّي الدكتور عاليا تشوفهم كويس.
ابتسمت بسخ*رية، وكأنَّ قلبها موشومًا بالوجع الذي أهلك روحها من ذاك الرجل، فأومأت إليه وهي ترمقهُ بعيونٍ حزينة:
– إن شاء الله يادكتور هكلِّم عاليا تشوفهم…ظلَّ ينظر لها بعمقٍ وثار تمرده عليها عندما وضعت حاجزًا بينهم ونادته بتكليف…مما جعلَ عيناهُ تظل*مُ من وجعها وتوجَّه بحديثه لوالدها:
– بلاش تزعل الباشمهندسة ياعمِّ منير…
اقترب منير للخارج وهو يحدق ابنته ثم اتَّجه بنظره الى نوح:
– إن شاء الله يادكتور… وزي ماقولت لحضرتك سوء تفاهم.
❈-❈-❈
بالجامعة عند درة:
جلست بالكافيه الخاص بالجامعة تنتظر محاضرتها التي ستبدأ بعد نصف ساعة.. وصلت أروى إليها تحمل كوبين من عصير الفراولة وجلست بمقابلتها:
– اشربي العصير دا هيروَّق دماغك وتعرفي تحلِّي الأسئلة صح..
مسحت على وجهها بعن*ف قائلة بانفعال:
– والله يابنتي حليت زيهم كتير قبل كدا معرفش ليه دماغي واقفة كدا..
استمع عدي الذي كان يقف خلفها لحديثها صدفةً..فاقترب:
– مالك يادرة بتتخانقي مع نفسك ليه.. قالها بإستهزاء…نهضت تقف بمقابلته وصاحت بوجهه بغ*ضب:
– ابعد عني ياعدي عشان متتهزأش زي كل مرة..جذب مقعدًا وجلس بجوارهم وهو يطرق على الطاولة:
– وأنا بمو.ت في التلزيق وخصوصًا لما يكون من واحدة قمر زيك كدا.
أمسكت درة كوب العصير وسكبته فوق رأسه وتحدثت بشم*اتة:
– أوبس، أصلي لقيت لو رديت على واحد زيك يبقى برفع من قدرك؛ وإنت الصراحة متساويش براية قلم رصاص من سوق الجمعة..قالتها ثم جمعت أشياءها وسحبت كفَّ أروى التي وقفت تنظر بذهول مما فعلته بعدي..
توقف جميع من بالكافيه وبدأو يضحكون بسخ*رية على هيئة عدي؛ خاصةً وهو يرتدي تيشيرت أبيض وسروالًا باللون نفسه..
ركل الطاولة وهو يصرخ بهم ويدفع البعض…اتَّجه سريعًا لصديقه الذي كان ينتظره ليرى ماذا سيفعل بدرة..تحرك وجحيم غ*ضبه يسيطر عليه..أمسكه صديقه الذي يدعى بأحمد:
-عدي!! أوقف رايح فين ماإنت اللي غلطت في الأول والكل هيشهد بكدا.
دفعه بقوة وهو يزمجر قائلًا:
– هي متعرفش مين عدي البنداري ولَّا إيه، والله لازم أفصلها من الجامعة دي وأخليها تروح جامعات الشحاتين..
قالها ثم تحرك سريعًا متجهًا خلفها.. توجَّهت درة لقاعة المحاضرة وهي تضحك على مافعلته..هزَّت أروى رأسها وهي تشاركها ضحكاتها ثمَّ تحدثت:
– بس دا مش هيسكت يادرة..خلي بالك..
اتجهت وجلست بالبنش الذي يتوسَّط القاعة ووضعت أدواتها وأجابت صديقتها:
– دا واحد مغرور ويستاهل اللي يجراله
قطع حديثهم دخول الدكتور نور..ولكن قبل أن يلقي التحية رأى ذاك الذي أسرع باتجاه درة.. ووقف أمامها وسحب يديها يجذبها بعن*ف:
– أنا هعرَّفك ياحيوانة إزاي تتجرأي وتعملي كدا..اتجه الدكتور نور
– إنتَ ياحيوان بتعمل إيه عندك…إزاي تعمل في زميلتك كدا؟..
رفع بصره للدكتور وأجابه بنبراتٍ غليظة:
– آسف يادكتور…حساب ولازم نصفيه.
اتَّجه نور لدرة بنظراتٍ مستفهمة؛
هزت رأسها وهي تحرُّر كفيها من كفِّ نور الذي يقب*ض عليه بقوة..
اتجه نور إليهما وتجمَّع كل من يوجد بالقاعة لفكِّ اشتباك عدي ودرة..دفعه الدكتور بعيدًا عنها،
ثم اتصل بالأمن عندما علم بهويته، اتجهَ
يسحبه للأمن الذي أخدوه لعميد الجامعة..استغلَّ الوضع لصالحه وقام بتقديم شكوى ضدَّ درة..
شهقةٌ قويةٌ خرجت من جوف درة عندما وجدت الموضوع وصلَ لرئيس الجامعة.. هذا المعتوه حوَّل الأمر لصالحه،
مسدت أروى على ظهرها وتحدثت بعيونٍ مطمئنة:
– اهدي إن شاء الله البنات اللي كانوا موجودين في الكافيه هيشهدوا..
– أنا مش خايفة منه أنا خايفة من تقديراتي تتأثر بسبب المشكلة..قالتها بملامح مرتجفة وعينينِ زائغتين،
وصلت ليلى للحرم الجامعي حينما هاتفتها أروى وقصَّت عليها ماحدث،
ضمَّتها لأحضانها حينما وجدت حالتها المرثية وعيناها المتورمة، فتحدثت بكلم*اتٍ لطمئنتها:
– متخافيش حبيبتي محدش يقدر يئذيكي..تحركت متَّجهة للداخل حيث مكتب رئيس الجامعة…دلفت بعد الاستئذان، وجدت عدي يجلس وكأنه ابن من أبناء الوزراء..
ألقت التحية باحترام..ثم أردفت بهدوءٍ ووقار أمام رئيس الجامعة:
– بعد إذن حضرتك يادكتور..ممكن أعرف اختي متحولة للتحقيق ليه؟..
رمقها عدي بسخ*رية وهو يوزع نظراته بين درة التي وقفت صامتة وبين ليلى التي تقف أمام رئيس الجامعة كمحامي في قاعة المحكمة..
– اتفضلي أقعدي ياباشمندسة..أخت حضرتك تطاولت على الباشمندس عدي البنداري..اتجهت ليلى تطالع عدي بنظراتٍ تقيمية…رفع حاجبه ينظر إليها بطريقةٍ مستفزة وهو يشير على قميصه:
– أختك سخرت مني قدام الجميع ودلقت العصير.
وقفت تطالعهُ لبعض اللحظات ثم اتجهت لرئيس الجامعة:
– هوَّ أيِّ حد يجي يشتكي حد من غير دليل..وبعدين مش يمكن حضرتك يكون قلِّ أدبه..طبعًا آسفة في اللفظ..لكن من المفروض حضرتك تسمع جميع الأطراف ونشوف الشهود الموجودين…قاطعهم
دلوف يونس أثناء حديث ليلى مع رئيس الجامعة..
نهض رئيس الجامعة يحييه:
– أهلًا دكتور يونس…نوَّرت الجامعة حضرتك.
اتَّجه يونس يطالع أخيه الذي يجلس وكأنه ليس المذنب..ثمَّ تحولت نظراته لليلى و درة،
جلس بعدما قام بفتح زرِّ بدلتهِ وبعد حديثه فترة مع رئيس الجامعة، أشار لأخيه ليحكي ماصار أمامهم، كما اتجه لدرة:
– ومن حقِّ الباشمهندسة تدافع عن نفسها وتقول مبرَّر لفعلتها دي..
تحدث بإبانة لدكتور الجامعة وعيناهُ مسلَّطة على ليلى:
أصل الصراحة مش كلِّ مانضايق من كلمة واحد يقولها ندلق عليه عصير مش كدا ولَّا إيه؟..
مطَّ شـ,ـفتيه وطالع ليلى الصامتة وأكمل حديثه:
– دا لو معاكي سك*ينة كان ممكن تطع*نيه.. عشان ضايقك بالكلام..
حاولت ليلى السيطرة على غ*ضبها وهي تضغط بقب*ضتها فوق ساقيها..ثم رفعت رأسها وابتسمت ابتسامةً لم تصل لعينيها:
– طيب ليه حضرتك لو كلِّ واحد يحترم نفسه، ويعرف إنِّ بنات الناس دول خطوط حمرا ومينفعش نستقلِّ بدمنا عليهم ونستخفِّ ونرمي نفسنا ونقلِّ أدبنا؛ ولَّا عشان الدكتور له وزنه في المجتمع يرضى بتجاوز أخوه الغير أخلاقي.
أووبس..قالها يونس وهو يطالع شراستها، ابتسم تلقائيًا على ردها ثم تحدث:
-اهدي حضرتك أنا مقولتش إن عدي مغلطش.. نهضت وتحدثت بهدوءٍ حاولت اكتسابه ثم أكملت:
– حضرتك لو أختي غلطت من حقَّك تعاقبها بمجلس تأديبي زي ماحضرتك شايف..لكن تطاول في الأخلاق من الدكتور في حقِّ أختي مش مسموح..
وقف يونس مبتسمًا على شراستها فاقتربَ خطوةً يطالعها بهدوء..وجهها البرئ وعينيها التي تشبه عين الغزال بلونهما واتِّساعها..حدقها لبعض اللحظات ثم اتَّجه لرئيس الجامعة:
-اعمل اللي باشمهندسة طلبته يافندم.. ولو أخويا غلط يتعاقب..قالها وهو يرمق ليلى بابتسامة تسليةٍ ثمَّ خرج.
❈-❈-❈

