
اتجهت فرح إلى والدتها:
-ماما إزاي سكتي إن سليم يتجوز يارا… حتة البتِّ المفعوصة دي عايزة تاخد مني حبِّ عمري..
وقفت عايدة متجهةً للنافذة وهي تتحدث بحقد:
-كلِّ حاجه معمول حسابها متخافوش… وسليم هيكتب عليكي يافرح…ثمَّ اتجهت بنظرها لسارة:
-أوعي تقلِّي بنفسك قدام يونس فهمتي ياسارة…خليكي ملكة قدامه..علشان يعرف مين بنت الحسب والنسب من بنت الشوارع..
جحظت أعين ابنتها وأردفت متسائلة:
-قصدك مين ياماما بكلامك دا؟!..
ضحكت بسخ*رية وهي تجلس تضع ساقًا فوق الأخرى:
-سيلين هانم هيَّ مش بنت أسعد وزينب زي ماهم مقرطسينا كدا…دي بنت لاقيِّنها في الشارع وكانوا مخبيين على جدكو وعلينا…بس إحنا عرفنا وأخيراً جت زينب تحت ضرسي…
قاطعتها فرح وتساءلت:
-علشان كدا جدو رفض يجوِّزها من العيلة…طيب ماكدا عارف..
تهكَّمت عايدة وأجابتها:
-لا عشان سيلين نقطة ضعف راكان فهوَّ عايز يضغط على راكان بسلين..واللي عرفته إن راكان خيَّره بين جوازه وبين أنه يبعد عن سيلين..ولحدِّ دلوقتي هو بحافظ على سيلين على إنها بنت ابنه..
هزَّت فرح رأسها بنفي وتحدَّثت:
– لا ياماما…فيه حاجه غلط…جدو عارف بدليل قالها احمدي ربك إن خلفتك ولاد.. أنا إزاي ماأخدتش بالي..
قطبت عايدة حاجبيها وتساءلت:
-قصدك إيه؟!.. اللهم استرنا فوق الارض وتحت الأرض ويوم العرض عليك الفصل الثاني لا إله إلَّا أنت سبحانك إنِّي كنت من الظالمين لا تدري أنَّها رحلت..
و خلَّفت وراءها قلبًا قعيدًا..
يتَّكئُ على كتفِ فراقٍ أعمى
قلبٌ..
سقطَ في جُبِّ يوسُف..
و لن تُنجيهِ سوى رؤيتها وضمِّها..
قلبٌ مازال يرتجفُ شوقًا..
لا يدري..
كيف يحتمي من بردِ رحيلها
وهي التي علَّمتهُ معنى الدفا
❈-❈-❈ دلفت إلى الصرح الضخم وهي تنظر بانبهار..
كان عبارةً عن مبنى ضخمٍ ذو واجهاتٍ زجاجية، تعطيه رونقًا خاصًا وتصميم*اتٍ هندسية دقيقة…دلفت تطالع الموظفين، تجلَّى في عينيها الدهشة من النظام الدقيق من قبل العاملين به… اتَّجهت نحو المكتب الموجود بالطابق الأرضي:
– صباح الخير….لو سمحت أنا جاية علشان الوظيفة المطلوبة…
ردَّ عليها موظف الاستقبال التحية… وأشار لأحدهما:
– هتطلعي الدور السادس…دا مكتب الباشمهندس المسؤول عن مقابلة الموظفين الجداد.
أومأت برأسها وشكرته متَّجهة لوجهتها..
بعد قليلٍ بالأعلى وقفت أمام الموظف المسؤول عن توظيف المهندسين،
نظر الرجل لها بعد إعجابه الشديد بقدراتها..أشار إليها:
– لحظة وراجعلك يابشمهندسة.
اتَّجه لمكتب سليم، وقف أمام السكرتيرة وتحدَّث:
– الباشمهندس فاضي؟.
أجابته السكرتيرة بعملية:
-أيوة لسة قدامه نصِّ ساعة على الاجتماع.
– طيب عرَّفيه إني محتاج أقابله ضروري..
أومأت برأسها بالموافقة وبعد لحظاتٍ أشارت له بالدخول..
بداخل المكتب كان يستند بظهره على المقعد وهو يحاول أن يجد حلًا وسطًا بين جدِّه وراكان…التي وصلت العلاقة بينهما للاصطدام ككلِّ مرةٍ يحدث بها اجتماعهم.
دلف المهندس المسؤول عن توظيف المهندسين…حمحم عندما وجده شاردًا في ملكوته…رفع نظره قاطبًا جبينه:
– خير يامعتز فيه حاجة؟..
– أيوة يافندم…بالنسبة للإعلان المنشور لتوظيف مهندسين الديكور…من إمبارح وأنا بقابل المتقدِّمين… والنهاردة الحمدلله موجود تلات مهندسين، وأنا محتار أختار مين فيهم…فلو ينفع تختارً بينهم.
نقر على مكتبه وأردف متسائلًا:
– إحنا محتاجين كام مهندس للوظيفة دي؟ ”
-والله يافندم إحنا محتاجين في كل قسم مهندسين على الأقل…أنا اخترت المعماريين…بس مهندسين الديكور دول اتقدِّم فيهم أكتر المبدعين..فتركت الاختيار لحضرتك..
نهض يضع يديه بجيب بنطاله وتحدث:
-مش المفروض دا شغلك ولَّا إيه؟..
حمحم معتز ثم تحدَّث آسفًا:
– والله يافندم أنا محتار بين تلات مهندسين..التلاتة نفس المستوى ومحبتش أظل*م حد.. وبما إن حضرتك خبرة فقولت أرجع لحضرتك..
أومأ سليم برأسه وأشار بكفيه:
تمام يامعتز..دخَّلهم واحدة واحدة وبعد كدا هشوف مين اللي ممكن نستفيد بخبرته..
أومأ معتز برأسه وخرج مستأذنًا، بعد قليل وقفت ليلى أمامه بسي في C. V،
دقَّق سليم بملفها ورفع نظره لها:
– شهادتك ممتازة…لية ماشتغلتيش بعد ماخلصتي؟..
ابتسمت بهدوء وأجابته:
– لو حضرتك دقَّقت أكتر هتعرف إني كنت بحضَّر دكتوراه في السنتين دول… والحمد لله لسة مخلصة من شهرين بس..
فحصها بنظراته..ظلَّ للحظة ساكنًا يناظرها..فحمحم وتحدث بهدوئه المعهود:
– تمام يابشمهندسة…دلوقتي ممكن أقولك مبروك…منتظر إبداعك.
أوم*ات برأسها وأردفت:
– شكرا لحضرتك وأتمنى أكون قد المسؤولية يافندم.
ضغط على زرِّه لاستدعاء السكرتيرة:
– خدي المهندسة خليها تستلم شغلها مع المهندسة ص*ابرين…وخلِّي محمد يشتغل في مكتب يافوز.
– تمام يافندم فيه أي أوامر تانية؟..
– لا شكرا يانورة…هاتيلي قهوتي
تحرَّكت السكرتيرة مع ليلى إلى مكتبها الجديد الذي سيغيِّر حياتها.
❈-❈-❈
في مكتب راكان:
بعد قصِّ حمزة ماحدث من راجح في قضيته مع عمِّه جلال …رجع برأسه على المقعد؛
– بس عمي جلال مستحيل يعمل كدا.. أنا أعرف أنُّه بيحب الفلوس بس مبياخدش حاجة مش بتعته..
زفر حمزة وتحدَّث بشك:
– أنا لو هقبل القضية هدوَّر ورا عمك… ولو الراجل دا له حق متزعلش هضطر أترافع عنُّه.
نقر راكان على مكتبه وبدأ يتحدث بشرود:
– خلِّيني أشوف إيه اللي ورا عمِّي الأول..
إنتَ عارف أنُّه له أسهم عايز يبيعها علشان يعمل شركة خاصة بيه على الأرض دي..وعلى العموم لو إتأكدنا إن الراجل دا كلامه صحيح فوقتها أعمل شغلك…عمري ماأدخل في حاجة مش من حقِّنا..
وقف حمزة وأردف:
– تمام يابوص أنا قولت كدا بردو لازم تعرف قبل ماآخد أي قرار…دلوقتي أسيبك تشوف شغلك والموضوع بقى عندك ياسيادة المستشار…شوف وردِّ عليَّا بس متتأخرش..
أومأ له راكان:
– تمام ياحضرة المحامي…
بقولك أنا عازمك النهاردة على العشا فيه
موضوع عايز آخد رأيك فيه.
قطب مابين جبينه متسائلاً:
– موضوع إيه ياراكان؟..هتقلقني ليه.،
ضحك على صديقه وأردف مبتسمًا:
– فيه إيه يابني خوفت ليه كدا…هاخدك تحري ولَّا إيه…قهقه حمزة وهو رافعًا يديه:
– وعلى إيه ياعم الطيب أحسن…
وقف حمزة أمامه وحدَّق به:
– راكان مالك؟فيه حاجة حصلت ولَّا إيه؟
وضع يديه بجيب بنطاله واتجه للشرفة وهو ينظر للخارج واسترسل بنبرةٍ حزينة:
– جدي مش راحمني ياحمزة بيحاول يخنقني وأنا بحاول أتغاضى بأيِّ طريقة…عشان سيلين وأمي..
استدار يطالعه وأكمل بإبانة:
– تخيَّل النهاردة كان عامل اجتماع عشان يجوز العيلة في بعضها..
اتَّجه ينظر إلى الفراغ بعينين تقطر ألمًا وملامح يكسوها الحزن فأردف مستطردًا:
– لولا ماما ووعدي ليها…صدَّقني مكنتش رحمت حد.. همَّا مفتكرين نسيت الماضي..أو تقدر تقول أنا أوهمتهم بكدا..
خيَّم الحزن على وجه حمزة فربت على كتفه وتحدَّث مواسياً:
– لازم تنسى الماضي عشان تعرف تعيش الحاضر ياراكان..أوعى تفكر تمثيلك عليهم بيفرق معاهم..ليه دايمًا بتحطِّ صورة مش كويسة لنفسك قدام الكل؟..
ارتسم تعبيرًا مندهشًا ممزوجًا بالغ*ضب واستدار يتحدث باستنكار:
– علشان أنا كدا بالفعل ياحمزة..أنا واحد مش كويس..وبلاش إنت اللي تتكلِّم وتقول كدا..دا إحنا دفـ,ـنينه سوا ياصاحبي.
– لا ياراكان إنتَ اللي دايما بتوهم نفسك وبتوهم اللي حواليك بكدا..بلاش تخليني أتكلم كلامي هيزعلَّك..احمد ربنا فيه اللي اتخان وقادر يوقف على رجله.
– والله واللي حصلي مش خـ,ـيانة؟..قولي ياحضرة المحامي هيَّ الخيـ,ـانة إيه في منظورك غير الطع*ن في الضهر..
تحرَّك حمزة عندما وجد النقاش بينهما سيؤلمُ أحدهم:
– أشوفك بالليل ياراكان لحدِّ م*اتروق..

