
زفر بحنقٍ وأكمل حديثه:
– يونس هيكتب على سارة بنت خالد… اتجهت نظرات يونس سريعًا إلى سيلين التي تتلاعب بصحنها دون مسه…في حين أكمل الجد حديثه:
وراكان هيكتب على سلمى بنت جلال،
وسليم هيكتب على يارا بنتِ عمِّته..
صمت الجميع لبرهة، فيهما من أعجبه هذا القرار كثيرًا وفيهما من استشاط داخله..
طيب وسيلين ياعمِّي نسيت سيلين؟..
رمقها بنظرةٍ تحذيريةٍ وأردف بغلاظة:
– هنشوفلها واحد من برة العيلة دي مالهاش حدِّ من عمرها.
أشفق راكان كثيرًا على والدته وأخته فتحدَّث قائلًا:
زي بالضبط كدا ياماما مفيش حد على أدِّي من العيلة…
-إيه اللي بتقوله دا ياولد؟..كلامي هيتنفِّذ كلُّه..
قهقه راكان مما جعل حالةً من التوتر تصيب والدته..أرجع بجسده يتكئُ على مقعده ورفع بصره لجده وتحدث:
-وحضرتك نسيت تسمِّي العيال إيه ياتوفيق باشا..
وضع إبهامه على ذقنه مصطنعًا التفكير:
– أيوة..أنا لو جبت ولد هسميه توفيق البنداري..مطَّ شـ,ـفتيه وتحدث:
ماهو لازم نخلِّد ذكرى كبير العيلة مش كدا ولَّا إيه يايونس؟..ابتسم بسخ*ريةٍ وأكمل يوزِّع نظراته على الجميع:
– شوف ياتوفيق باشا..بص حواليك كدا.. شوف الدكتور يونس بقى إزاي من قراراتك التحكمية بتعتك..ثمَّ اتجه إلى سليم:
ولَّا الباشمهندس سليم اللي كلِّ حاجة لازم جدو يعرف ياراكان..هوَّ برضو كبير العيلة..
أوف توفيق باشا نسِّتني أهمِّ شخص انفلاتي بالعيلة..أمال برأسه لمرات عمه ونظر بخبث:
– الكونتيسة سارة البنداري..رفع يديه لابنة عمِّه الأخرى:
أوه برنسس فرح..آسف سموِّك، أصلكم كتير الصراحة مش عارف أبدأ بيونس ولَّا عدي ولَّا سليم…توقف ونظر لسيلين
وأومأ بنظرةٍ حنونةٍ إليها وأردف قائلا:
-والله كان نفسي أحقَّق لك أمنيتك دي ياجدِّي العزيز بس للأسف ماليش نفس للجواز أو ممكن تقول كدا..جرَّبت حظي مرة ومش هتتكرَّر تاني والبركة فيك… قالها ثم وقف مغادرًا بخطواتٍ نا*رية.. كالنيران التي أشعلها جده بجسده…
بينما يونس نظر لصحنه ووجع قلبه الدامي لا يعلم كيف الجراح به…على الجانبِ الآخر نظر سليم إلى فرح ثم رفع نظره الى جده :
– انا آسف ياجدي مش هقدر أحقق طلبك انا كمان..فرح أخت ليا ومستحيل أشوفها غير كدا.
رمقته والدته بنظراتِ التعاطف علَّها تحثُّه على عدم التحدث حاليًا.
❈-❈-❈
كانت سيلين تجلس ودموعها تنذرف على وجنتيها عندما استمعت لحديث جدِّها القاسي..
رمقها يونس بنظراته الحزينة..نزلت دموعها على صد*ره كقطع زجاجٍ تقطع جلده لطبقاتٍ متألمة..
وقفت متجهة للأعلى..غادر المائدة خلفها بعدما وجد الأحاديث الجانبية بعد خروج راكان:
-سيلين أردفَ بها بصوتٍ هادئ:
أطرقت رأسها للأسفل تقاوم رغبةً قويةً بالبكاء…لماذا تصفعها الحياة بهذه القسوة.
سحبها من يديها متجهًا إلى الخارج في غفلةٍ من الجميع، سوى فريال والدته التي همست لزينب:
– لمِّي بنت الإيه دي بعيد عن ابني بدل م*اتنطردي يازوزو…قالتها بشم*اتة..
❈-❈-❈
في جامعة القاهرة بكلية الهندسة،
تجلس تتابع شرح أستاذ المادة بكلِّ تركيز…فهي من الطالبات المتفوقة ودائمًا من أوائل دفعتها..
كان يناظرها من حينٍ لآخر..براءتها وجمالها الهادي يخط.ف السلام النفسي لروحه..
رفعت نظرها عن دفترها التي تدوِّن به بعض المعلوم*ات المهمة، وجدته يصوِّب نظراته اتجاهها وحدها…لكمتها صديقتها أروى:
– الدكتور نور ماله مش منزِّل عيونه من عليك ياجميل؟..اتجهت بنظرها إليها:
-إيه اللي بتقوليه دا ياأروى؟…إنتي عارفة أنا مش بتاعة الحاجات دي..
قاطعهم زميلًت لهما:
– درة ممكن أشوف كشكولك فيه حاجة معرفتش أدوّنها.
ناولته دفترها بكلِّ هدوء..إلا أن ذاك الغاضب الذي كان يتابعها بعينيهِ الصقرية:
– ممكن المهندسين اللي ورا يركِّزوا معايا..
نفخت وجنتيها بغ*ضبٍ من صديقتها:
-جبتينا الكلام ياحضرة المهندسة..
بعد فترة من انتهاء المحاضرة أثناء خروجها أوقفها صوته:
– باشمهندسة درة…استدارت له وتساءلت:
– فيه حاجة يادكتور؟
أومأ لها برأسه…اتجهت له ووقفت بمقابلته:
– فيه حاجة يادكتور ولَّا إيه؟..
رمقها بنظرة إعجاب ثم تحدَّث:
– لو فيه حاجة مش فاهماها ممكن أشرحهالك..
شكرته متعجِّبة من أمره:
– شكرًا لحضرتك..كله تمام بعد إذنك… تحرَّكت مغادرة..ظلت نظراته متشابكة بها إلى أن اختفت من أمامه..
بمكانٍ آخر:
يجلس بمكتبه يراجع قضيته قاطعته مديرة مكتبه:
– فيه واحد برة عايز يقابل حضرتك.. بيقول عنده قضية.
رفع نظره من على الأوراق:
– خلي “سماح” تشوف قضيته إيه أنا خارج دلوقتي عندي ميعاد ضروري.. وميت مرة أقولك يانرمين مدخليش حدِّ بدون ميعاد.
والله ياأستاذ حمزة حاولت بس هو مُصر،
نفخ بضيقٍ ثم جلس مرَّة أخرى:
– دخليه وقوليله عشر دقايق بس.
أوم*ات برأسها وتحرَّكت للخارج.
-بعد قليل دخل المدعو راجح:
إزي حضرك ياأستاذ حمزة…سمعت عنَّك كتير..وعرفت أدِّ إيه إنَّك محامي شاطر،
عندي قضية عايزك تترافع فيها.
أشار حمزة بيديه وتحدَّث بلباقة عمله:
-والله ياأستاذ أنا مشغول جدًا..ممكن تشوف حد تاني..
طالعه الرجل بنظراتٍ توسُّلية:
– لو سمحت أنا عرفت عنك إنك شاطر في القواضي اللي زي دي..وخصوصًا إن المنافس راجل متجبِّر ومبيعرفش الرحمة.
أشار بيديه وتحدث…سامعاك ياحج راجح:
– جلس يستمع له باهتمام..
بدأ الرجل يحدِّثه بحيثياتِ القضية فأردف قائلًا:
– فيه عيلة أخدوا مني قطعة أرض غصب…وعايز أرجَّعها.
خرجت الكلم*ات من فمه غاضبًا..وأكمل
أنا معايا اللي يثبت إن الأرض ملكي..
عايز ترفع القضية على مين؟..سؤال أردف بها حمزة.
– جلال البنداري
حجظت عين حمزة لتجتاحه الصدمة .. ظلَّ يستمع له باهتمام إلى أن انتهى..
– تمام سبني أشوف أوراق القضية وأبلغك رأيي..
بعد قليلٍ في إحدى المحاكم دخل بقامته المهيبة:
حضرة المستشار راكان موجود؟..
أومأ العامل بالإيجاب…فأردف إليه:
قوله حمزة العمري.
دخل المسؤول عن مكتب راكان:
– فيه واحد برَّه اسمه حمزة العمري عايز يقابلك ياباشا.
– دخَّله حالًا…بعد لحظاتٍ دخل حمزة بابتسامته:
– حضرة وكيل النيابة اللي محدش بقى يشوفه..
ضمَّه راكان بمحبة:
– وحشني ياحمزة…إيه يابني مختفي ليه؟..
رفع حاجبه بسخ*رية:
– أنا برضو اللي مختفي…ليه نوح ويونس مش بوصلولك أخباري ولَّا إيه؟..
قطب جبينه وتساءل:
– نوح مشفتوش بقالي أسبوع…أما الدكتور الفاشل دا مبعرفش اتلايم عليه من كتر مصايبه.
قهقه حمزة وأردف بشقاوته المحبوبة لقلب راكان:
– لسة زي ماإنت…يونس بصاوريخه وإنت بغ*ضبك وعصبيتك..وبعدين مش عليا ياراكي..أخبارك عندي يابتاع شطِّ بحر الهوى والستات الحلويات..أنا بسمع إنهم ناوين يلمُّوك.
قوَّس راكان فمه:
– أيوة جينا بقى للنق يانص متر..أنا باخد توفيق باشا على أدِّ عقله..بدل مانقلب على بعض…المهم سيبك من توفيق البنداري وتخطيطاته..وتعال عايزك في موضوع ومفيش غيرك..
– ليه يونس راح فين؟
يونس دا هاخده أرميه في البحر للحوت ياكله..فيه بنت واكلة عقله والمشكلة إنها متجوزة..ودماغه طايرة على الستات..
مطَّ حمزة شـ,ـفتيه لا، إلا المتجوزين مش سكِّتنا..
لكزه راكان: م*اتتلم إنت كمان ياحلوف.. هلاقيها منك ولا من جيمس بوند..
رفع حمزة حاجبه وتحدَّث مدافعًا عن يونس:
– والله يونس أحسن منك على الأقل بعرف ألمُّه..منكرش مغامراته تدوخ بس يستاهل والله بيجيب ستات صاروخ أرض جو.
دفعه راكان بقلمه:
– م*اتتلم ياحمار..شايفنا قاعدين في ديسكو..دي محكمة ولازم تحترم نفسك.. أصل وربِّ الكعبة أخليهم ياخدوك تحـ,ـرش.
قهقه حمزة عليه:
– اهدى ياحضرة النايب اللي يسمعك يقول مقطَّع حُصر الجامع…دا إحنا طبيخينه سوا.
رفع حاجبه بسخ*رية وأكمل:
– فينك يايونس والله إنت اللي في عيلة البنداري.،
اغتاظ من أسلوبه المغلَّف المدافع عن ابن عمه، ولكن سرعان م*اتحول لقهقة عندما تذكَّر بعض مناوشاته مع يونس.
سيبك من يونس ومغامرته:
– أخبارك إيه وإيه اللي رماك عليَّا النهاردة، أجابه حمزة:
– ياسيدي أنا كان عندي مرافعة في المحكمة دي وعرفت حضرتك موجود هنا…فقولت أسلِّم، وكمان فيه موضوع يخصِّ عمَّك جلال.
❈-❈-❈
في فيلا خالد البنداري:
-جلست تتآكل من الغيظ..شوفتي ياماما
يونس عمل إيه…سابني وطلع يجري ورا السنيورة.
ناظرتها عايدة بهدوء وهي تقلم أظافرها ثمَّ نفختهم بضيق:
-اهدي ياحبيبتي…مش مهم بيعمل إيه، المهم أنه هيرجع لمين ويتجوزها.

