
بعد عدَّةِ شهورٍ من عمل ليلى بالشركة، خرجت من غرفتها بعد أداء روتينها اليومي،
قامت بتحية الصباح على والدها مقبلةً يديه ثم اتجهت لوالدتها:
– صباح الخير ياسمسم…عايزة منك دعوات تهدِّ جبل ياماما النهاردة..
شاكستها درة بغمزة:
– ليه ياقلبي ناوية تقابلي صاحب الشركة المبجل ويقع في حبِّ الاميرة،
لكمتها في ذراعها:
– بس ياهبلة خلِّيكي في مذاكرتك..
عقد عاصم حاجبيهِ متطلِّعًا لدرة:
– متقوليش كده تاني يادرة عيب ياحبيبتي الكلام دا..
تأسَّفت درة لوالدها قائلة بأسفٍ حقيقي:
– مكنش قصدي يابابا والله إحنا بنهزر،
مسدت ليلى على خصلات أختها:
– ولايهمِّك ياقلبي…ثم همست لها،
على فكرة قابلته يابشمهندسة..
جحظت عيناها وأردفت بسعادة:
– قولي والله…ولسه ألوووون ياحضرة المهندسة العظيمة..
قاطعهم والدهم وأردفَ متسائلًا:
-فيه عندك إيه ياليلي النهاردة؟..
ارتجفت عيونها بقلق وأجابت والدها:
– هيختاروا أفضل تصميم للمدينة الجديدة يابابا..ديكورات لبعض التصاميم ولبعض الفلل والقرى السياحية.
ربت والدها على يديها:
– أنا واثق فيكي ياحبيبتي…حتى لو م*اتوافقشِ على تصميمك خليكي فاكرة إن ربنا عنده الأفضل..وإنِّك مجتهدة وناجحة..
قبَّلت رأسهِ وأردفت مبتسمة:
– أكيد يابابا ربنا مايحرمني منك ياحبيبي،
أتت والدتها بقهوتها:
– خدي اشربي قهوتك ياحبيبتي…على طول مستعجلة… قبّلت خديها:
– معلش ياماما يادوب إنتي عارفة زحمة المواصلات…والنهاردة أول اجتماع سنوي لمساهمين الشركة ماينفعشِ أوصل متأخر.
في فيلا أسعد البنداري:
صباحًا على مائدة الطعام،
يجلس والدهم ويتحدَّث بهدوء:
النهاردة الاجتماع السنوي للمساهمين في الفرع الجديد، اتجه بنظرهِ لراكان الذي يتفحَّص هاتفه:
– لازم تحضر يابابا…وبلاش عصبيتك كلِّ م*اتتقابل مع جدَّك وعمك ياحبيبي لو سمحت..
رفع نظره من هاتفه واتجه لوالده محاولًا السيطرة على غ*ضبه فتنهَّد متحدِّثًا:
– بابا أنا مبتكلمش…بس حضرتك عارف إن جدي بيضغط عليَّا جامد…ياريت يتعامل معايا في حدود..هو مالوش علاقة أتجوز ولا لأ.. ومن الأفضل مايفتحش معايا الموضوع دا…ثمَّ أكمل مفسرًا:
– أنا عاقل مافيه الكفاية مش محتاج حدِّ يقولي أعمل ايه…
لم يشعر بنفسه وهو يتحدث:
– الراجل دا عمري ماهسامحه على اللي عمله وتدميره لحياتي..
نهض يجمعُ أشيائه الخاصة عندما تحجرت دموعهِ داخل جفونه حتى أصبحت ثقيلة،
وتحدَّث دون النظر لوالده:
– أنا بحاول أسيطر على نفسي قدامه، صدَّقني عشان حضرتك بس..دا اللي مخليني راكان العاقل…أمَّا غير كدا كان زمانه تحت التراب من تلات سنين..قالها وبخطا متعثرة اندفعَ يركضُ للخارج إلى أن اصطدم بأحدهم،
صاحَ بغ*ضب:
– إيه مش تفتحي..عقدت ذراعيها أمامها وهي ترمقه بسخ*رية:
– الظاهر إن حضرة المستشار اللي ماشي مش واخد باله..حضرتك اللي خبط فيا.. قالتها عايدة وزمَّت شـ,ـفتيها بملامح جامدة، التوت زواية فمه بشبهِ ابتسامة محتقرة:
– شوف إزاي وأنا اللي فكرت إنك الغلطانة…دنا يهمس إليها:
– لمِّي تعابينك أصل ورحمة أمي هخليكي تشوفي أيام أسود من لون شعرك..مع إنِّي مش متأكد من لونه الطبيعي..
رفع بصره لخصلاتها ذات الصبغة السوداء وأكمل مستهزءًا:
– إنَّما لونه إيه يامرات عمي؟…قالها بإستهزاء وخرج بخطواتٍ ظاهرها ثابتة ولكنها متعثرة بوخزِ قلبه من طع*نات الأقارب..
أسرعت فرح خلفه تناديه،
اشتعل نيران الغ*ضب بعينيه ورغم ذلك تحرَّك متجهًا لسيارته…ولم يعري اهتمام للتي خلفه تحاول اللحاق به:
– راكان استنى خدني معاك..قالتها فرح وهي تتجه إليه.
– عدِّيني على النادي عربيتي في التوكيل، أجابها بحاجبٍ مرفوعٍ وزاوية فم ملتوية بابتسامةٍ هازئة:
– نعم ياختي..ليه حدِّ قالك أنا بشتغل شوفير الصبح..قالها وهو يرمقها بنظرة حارقة ثم استقلَّ سيارته وتحرك مغادرًا بسرعةٍ جنونيةٍ وكأنه يطارد عدوه..
❈-❈-❈
توقَّف بالسيارة أمام النيل وذكريات الماضي تطارده بقوة..
فلاش باك:
“منذ ثلاث سنوات”
بإحدى ليالي الشتاء ذات البرودة القارسة، كان عائدًا من حفل زفاف لأحدِ أصدقائه بالاسكندرية هو وابن عمه يونس…داخل السيارة
فتح يونس موسيقى هادئة وهو ينظر لقطرات المطر الغزيرة بالخارج، فاتجه لراكان الذي يقود السيارة بحذرٍ شديدٍ بسب زخات المطر الشديدة، ثمَّ تحدث قائلًا:
– بقولك ياراكي م*اتيجي نبات هنا في أي فندق للصبح..الجو وحش أوي يابني وإنتَ شايف مفيش طيران للقاهرة دلوقتي..
توقَّف راكان بجانب الطريق..واتجه إليه:
– تعالَ سوق شويا يايونس وبطَّل كلام..أنا عندي بكرة جلسة الساعة تسعة عارف دا معناه إيه؟..وطبعًا حضرتك مينفعشِ أكلِّم أي حد من صحابي قبل قضية تقيلة زي دي بساعات وأقوله اترافع بكرة..
ترجَّل يونس من السيارة وهو يزفر…اتجه سريعًا لينجو من قطرات المطر..استبدل الأثنين مقاعدهما…وفي أثناء سفرهما.. كان راكان يشعل تبغه فقام بفتح نافذة السيارة ينظر للخارج مع تنفيث تبغه،
ولكن قطعه منظرًا لهروب فتاة من ذئاب بشرية وهي تصرخ..كانت تهرول بحثًا عن النجاة من أولئك الأوغاد..وهي تصرخ تكادُ تُقطعُ أحبالها الصوتية..حاوطها بعض الشباب الذين لاينتمون لبني البشر سوى أسمائهم فقط..
رفع راكان كفيه يحثُّ يونس على التوقف:
– اقف يايونس بسرعة..توقف يونس فجأة حتى اصطدمت أجسادهم للأمام:
-فيه يابني خضتني..أشار بيديه على الشباب الذين يحاوطون الفتاة ويحاولون التحـ,ـرش بها:
– شوف ولاد الكلب بيعملو في البنت إيه؟..
تحرَّك يونس بالسيارة:
– راكان دول شكلهم مجرمين وإحنا ممعناش أسلحة مش شايف ماسك*ين أسلحة بيضة على البنت إزاي؟.. ظل يقود السيارة وهو يرمقه ثم تحدث:
– وفيه بنت محترمة تخرج من البيت في الجو دا وفي الساعة دي…تلاقيها كانت متفقة على سعر واختلفوا..فحبت تعمل كدا.. قالها بشبه ابتسامةِ سخ*رية..
هزَّ راكان رأسه وصوت ضميره يصفعه..
فهناك شعور يؤلمه والذي كان كالسك*ين ينحر عنقه من مظهر تلك الفتاة وهي تستغيث بأحدهم.. بسط يديه وحوَّل مجرى السيارة سريعًا مما أدى إلى ارتفاع صوت صريرها العالى وتهاوي أجسادهما..
صرخ يونس براكان:
– أكيد اتجننت مش كدا…أشار بيديه على الطريق:
– ارجع بسرعة يايونس مفيش وقت.. مستحيل أشوف حاجة زي كدا واسكت.. إيه إنتَ معندكش أخت يابني؟…مش خايف يتعمل فيها كدا؟..
أفرغ يونس شحنات غ*ضبه من ابن عمه وهو يض.رب على قيادة السيارة:
– مجنون وعايز تمو.تنا..أشار راكان بعينيه للطريق دون حديث.
أتى يونس لفتح فمه للتحدث.. رفع سبابته أمامه بغ*ضب:
– ولا كلمه..مش عايز ولا كلمة..
امشي بسرعة لسة هترغي…بعد قليل وصلوا للمكان ولكن لا يوجد به أحد.
ترجل راكان من السيارة يبحث بعينيه.. فالمكان مظل*مٌ لغياب القمر والنجوم بسبب كثرة السحب السوداء التي تغطي سماء الاسكندرية بالكامل.
استدار لكي يعود وبداخله خيبة أمل، وصوتُ ضميره الذي يؤنِّبه، ولكن تسمَّرَ بوقفته عندما استمع لصراخها مرةً أخرى..
تحرَّك سريعًا..ترجل يونس خلفه وهو يسبُّه يبحث عنه.. وصل راكان للمكان الذين يحتجزونها به….حيث يوجد به هؤلاء البشر الحيوانيين..انسدلت عبراتها وهي تضغط على جفنيها بألمٍ لاقترابها من مو.تها الحقيقي لأنثى ستحطَّم حياتها من تلك الأيادي الخبيثة..
حاولت بكل قواها التحرر من قب*ضتهم، صفعةٌ قويةٌ على وجهها أدَّت لضعف جسدها بالكامل حيث شعرت بتمزق روحها وعلمت أنها النهاية..
رفع أحدهم يديه وقام بتمزيق ملابسها ولكنَّهُ وجد نفسه طائرا بالهواء…أمسكه راكان ثم رفعه للأعلى تاركًا إياه يصطدم بقوة بالصخرة؛ حتى شعر بتهشيم جسده..
تراجعت الفتاة التي تدعى بشمس للخلف وهي تضمُّ ركبتيها لصد*رها وتبكي بشهقاتٍ مرتفعة وهي تضع يدها على أذنيها كي لا تسمع شجارها…تحمد ربها لإنقاذها في الوقت المناسب..
حاوط الثلاثة شباب راكان بأسلحتهم البيضاء؛
وكلاً منهم حاول النيل منه ولكن قوته الجسمانيه وتدريباته القتالية ساعدته في تفاديهم..انضمَّ إليه يونس وبدأ الاثنان مقاتلتهم بكل قوة..رأى راكان أحدهم متجهًا ليونس من الخلف لطع*نه.. فجذبه من تلابيبه وأبرحه ض.ربًا وماكان على الآخر إلا أن طع*نه..في هذه الأثناء وصلت الشرطة التي قام يونس الاتصال بهم بعد إصرار راكان على إنقاذها..
أسرع يونس لابن عمه عندما ج*ثا على الأرض وهو يمسك بطنه والدماء تلطِّخ قميصه الأبيض..ومياه الأمطار التي اختلطت بدمائه حتى شعر ببركة دماء أسفل راكان…جحظت عيناه وهو يضمُّه ويصيح بغ*ضب:
– قولتلك بلاش..طالعه وهو يكاد يفتح عينيه:
– بطَّل ياغبي دي مطوة في البطن مش في القلب..اتصرف..هو إنت مش دكتور ولَّا س*رقت الشهادة وبتضحك علينا؟..
فحصه يونس وهو يكزُّ على شـ,ـفتيه بغيظ:
– تعرف كان نفسي يقطعوا لسانك اللي بيرمي طوب دا ❈-❈-❈ شعر بالنعاس يداعب جفنيه ولم يقو على فتحهما..حاول فتح جفنيه
فاتَّجه بأنظاره للفتاه المنكمشة بجانب الصخرة تبكي وهي تطالعهم؛ لم تظهر ملامحها بسبب الظلام وكمية تساقط الأمطار..
وقف الضابط أمامهم ويونس يقوم بالإسعافات الأولية…وبعد بعضِ الأسئلة ووصول سيارة الأسعاف..رفع نظره ليونس وهمس بصوتٍ يكاد يُسمع:

