
– اخلع الجاكيت بتاعك يايونس..قام بخلعه سريعًا يضعه على كتف ابن عمه ظنًّا منه أنه يشعر بالبرد، ولكنه أشار على الفتاه التي تقف مع الضابط وهي تلملم ملابسها الممزقة بيديها وتبكي وهي تقصُّ ماصار..
فهم يونس مايعنيه..فأسرع إليها ووضعه على أكتافها وهو يطالع ملامحها الباكية.. كانت فتاةٌ تبلغ من العمر اثنا وعشرين عامًا..
اتجهت إلى راكان ويونس عندما وجدت المسعفين يضعونه على السرير المتنقل:
– إنتَ كويس؟،.قالتها وهي تنظر اليه ودموعها تغرق وجنتيها…شكرًا، إن شاء الله هتقوم بالسلامة..
حدثها يونس بعن*ف عندما أغلق ابن عمه جفنيه وهدر بحدة:
– بتعيطي ليه…فيه واحدة محترمة تخرج في الجو دا والوقت دا..قالها وهو يرمقها بنظرات محتقرة..ثم أسرع خلف راكان الذي دلف لسيارة الإسعاف. بعد فترةٍ من الوقت كان يونس يقف أمام غرفة العمليات ينتظر الطبيب..وتجلس الفتاة بجوار والدها الذي أتى بعد اتصالها به وهو يضمُّها لأحضانه.. خرج الطبيب..أسرع اليه يونس:
– إيه يادكتور طمني؟.. – كويس مفيش خطورة، الطع*نة كانت بعيدة عن الأعضاء الحيوية..هوَّ اتنقل لأوضة ممكن تروحو تشوفوه بعد مايفوق …قالها الطبيب ثم تحرك..
جلس يونس يمسح على وجههِ بعن*ف يكاد يق*تلع جلده:
– الحمدلله عدِّت..الحمدلله..اتجه بنظره للفتاة ووالدها وهو يرمقهم بنظراتٍ تفحُّصية… نهض إسماعيل والد شمس واتجه اليه…بسط يديه ليونس: – أنا إسماعيل..أبو شمس..
قطب يونس حاجبه متسائلًا:
– مين شمس..؟ أشار والدها عليها وتحدث بعرفان:
– البنت اللي أنقذتوها..ربنا يبارك فيكم يابني وينجِّيكم دنيا وآخرة.. شعر يونس بالخجل من نفسه و عتابه على راكان فيبدو أنه تسرع في الحكم، فأومأ برأسه:
– إحنا معملناش حاجة…أيِّ حد مكانَّا كان هيعمل كدا…قالها ثم تحرك متجهًا لغرفة راكان..
بعد فترة فتح عينيه…كان يونس غافيًا على المقعد بجواره…بينما في آخر الغرفة على إحدى الأرائك..تجلس شمس بجوار والدها تقرأ بمصحفها…نهضت عندما استمعت إليه وهو يتمتم:
– يونس..ولكن يونس كان غارقًا بنومه… اتجهت إليه ووقفت وهي تضمُّ جاكيت يونس عليها وطالعته بعيونٍ مترقرقةٍ وتحدثت بشـ,ـفتينِ مرتعشتين:
– إنتَ كويس؟..عامل ايه؟..أنادي الدكتور؟..
أطبق على جفنيه عندما شعر بألم بطنه وتحدث بصوتٍ مرهق:
– إنتي مين؟ استيقظ يونس ونهض يسأله بلهفة
– راكان إنتَ كويس؟.أومأ بعينيه وتحدث وهو ينظر للفتاة:
– مين دي؟… قوَّس يونس فمه بسخ*رية وأشار عليها:
– دي بنتِ عمِّ القمر..قالها غامزًا بعينيه لراكان..طالعها راكان كانت تنظر بعينيها للأسفل وتفرك بكفيها..
دنا يونس منه وهمس:
– دي البنت اللي حضرتك عملت فيها فريد شوقي وأنقذتها..استيقظ والدها واتجه إليهم:
– حمدالله على سلامتك يابني..مفيش كلمة شكر تعبَّر عن اللي عملتوه..
أومأ له بعينيه ومازالت نظراته تتفحصُ شمس، التي لم ترفع عينيها عن الأرض فأردف متسائلًا:
– عملتوا إيه مع الشرطة..متخافيش منهم لازم تاخدي حقَّك..علشان لو كل واحدة سكتت عن حقها في كدا.. هندِّي فرصة للي زيهم يتمادوا. رفعت عيناها التي تشبه مياه البحر، فتقابلت أعينهم للحظاتٍ حتى ذهب بنومه مرةً أخرى..
غادرت شمس مع والدها..وظلَّ يونس بجواره ينتظره حتى يفيق كاملًا..ولكنه غفا بمكانه.. أسدلت الشمس ستائر نورها الدافئ ولاتزال سماء الإسكندرية ملبَّدةً بالغيوم، تارةً تحجب أشعتها وتارة تتغلَّب على سحبها السوداء فتنير الأرض..
اعتدل يونس وهو يمسك عنقه بسبب نومه على المقعد..نهض يفحص ابن عمه، ثم جلس مرةً أخرى ينتظر استيقاظه…أمسك هاتفه يتفحَّصه.. واتسعت عينيهِ مما رأى.. فتح راكان جفنيه وحاول الاعتدال ولكنه تأوَّه متألمًا..ساعده على الاعتدال ثم تساءل:
– حاسس بإيه؟..أومأ له وأجابه بصوتٍ مرهق: أحسن الحمدلله..تليفوني فين لازم أعمل مكالمة ضروري..
اعطاه يونس هاتفه وانتظر بعد إنتهائه من مكالمة عمله…ظلَّ يطالعه بنظراتٍ غاضبة: – قول م*اتقعدش تبحلق فيَّا كدا..ولا أقولَّك قوم خلينا نمشي..أنا مبحبش المستشفيات..ظلَّ يونس صامتًا للحظاتٍ ثم تحدث متهكِّمًا:
– إنتَ عارف العيال اللي اتخنقنا معاهم فيهم ابنِ المسيري؟..
تجهَّمت ملامح السخ*رية بنبرته وهو يسأله:
– ومين البتاع اللي قولت عليه دا؟.. أرجعَ يونس خصلاته للخلف بغ*ضبٍ وتحدث:
– والله العيلة دي ماهتتبرَّى منِّي غير من أعمالك دي ياراكان..استعد لنا*ر جدَّك لما يعرف..استعد ياحبيبي..ولا أقولك ولا كأننا عملنا حاجة ولو حدِّ سألني هقولُّهم إنَّك اتسممت وعملت تنضيف معدة. ابتسم بسخ*ريةٍ لم يستطع مداراتها وهو يعود بظهره على فراش المشفى للخلف مستندًا على مرفقيه:
– قوم يابني يلَّا علشان نروح معرفش مخبوط على دماغك ولَّا مالك على الصبح..عكننت عليَّا إلهي ربنا يعكنن عليك دنيا وآخرة.
نهض وهو يميل عليه هامسًا
– المسيري ياراكان..اللي انض.رب إمبارح وعملناله قضية اغت*ص**..إنتَ فاهم معنى القضية ياحضرة النايب؟..يعني هيفتح علينا جحيم جهنم وياسلام لو جدَّك عرف..دا هنولَّع قبل مانوصل.. هنا تذكر ذاك الرجل..فحاول النهوض يستند على يونس:
– طيب تعالَ نمشي…أومأ يونس برأسه:
– أحسن برضو..لكن غريبة راكان يسمع كلامي من غير جدال..إيه اللي ناوي عليه ربنا يستر.. وصل بعد فترةٍ لسيارته بعدما أنهى يونس الأوراق الخاصة بالمشفى.. صعد للسيارة بهدوء بسبب جـ,ـرحه، وجلس بصعوبةٍ ثم اتَّجه بنظره ليونس:
– روح على القسم..عايز أعرف إزاي العيال دي طلعت في قضية أقلِّ حكم فيها عشر سنين..
هنا صفع يونس على وجهه وظلَّ يتمتم:
– أحيه عليك ياراكان…وحياة ربنا أخرتي في العيلة دي على إيدك.. نهاية الفلاش.. ❈-❈-❈ خرج من ذكرياته على رنين هاتفه..زفر متخذًا نفسًا ورفع الهاتف:
– أيوة ياسليم…تمام.. قالها ثم أغلق هاتفه وقاد السيارة عائدًا لمنزله.. وبدأت أنفاسه في الاضطراب وخفقاته تتسارع في سباقٍ؛ حتى شعر بأنه سيفقد وعيه بسب م*اتذكَّره من ماضٍ مؤلمٍ لروحه.. وصل بعد قليل…ترجَّل من السيارة، قابله والده وقفَ أمامه:
– مش هتحضر الاجتماع ياراكان؟.. براحتك يابني..أنا هروح الشركة مينفعش سليم يكون لوحده..ماهو مينفعشِ تكون تلات أرباع الشركة من نصيبنا وسليم يوقف لوحده في الاجتماع..
وقف أمام والده بجسدٍ مستقيمٍ رغم أحزانه التي تحر*ق قلبه فتحدث بصوتٍ رصين: – بابا عايز تروح اتفضل ..أنا هنزل بعد شوية..
سحب نفسا وطرده محاولًا أن يتحلَّى بالجَلدِ والصمود فخرج صوته معبًّأ بالألم: – ياريت تكلِّم جدي يخليه بعيد عني، زي ماكان بعيد عنِّي السنين اللي فاتت لو فعلا عايزني أروح الشركة.. زفر والده بحزن:
– يعني يابني زعلان من جدَّك وإنتَ دلوقتي داخل على إتنين وتلاتين سنة؟..يعنى مش صغير زي ماإنت لسة قايل..
هرب اللفظ من بين شـ,ـفتيه فأخذ نفسًا مطوَّلًا:
– المطلوب من ابنك اللي داخل الخمسة والتلاتين إيه؟..قالها عندما اختنق من إصرار والده. مال والده عليه ينظر بحدقيته فتحدث قائلًا: – أنا هتنازل عن مجلس الإدارة لحضرتك ياحضرة النايب..واعمل حسابك مفيش اعتراض..ماهو تعبي السنين دي كلها ميوقعشِ في الأرض عشان غ*ضبك من جدَّك؛ وهتكون جنب سليم لحدِّ مايعرَّفك أسرار الشغل ورغم إني عارف ومتأكد إنَّك متابع كل حاجة…بدليل شركتك وأرباحها اللي بتزيد.. ربت على كتفه وأكمل:
– راكان إنت الكبير مينفعش سليم يدير الأمبراطورية دي كلها لوحده..يونس إنت أدرى بعمايله…ونوح يوم في الشركة وعشرة لأ..

