
– عايز القهوة بتاعتي…وبلغ السكرتيرة تلغي اي مواعيد إنهارده ! اومأ سريعاً لينصرف وينفذ ما أمره به ، عبث بخصلاته البنية التي طالت قليلاً ليجدها استيقظت من نومها ابتسم تلقائياً ما ان فتحت عيناها الزرقاء رغم بهوتها وفراغها الواضح الا انها مازالت محتفظة بجمالها الذي جعله يقع صريعاً لهواها اقترب ليحملها كعادته لتتعلق برقبته ويجلس علي الأريكة بجوار فراشها وهو يضعها علي ساقيه وتستند برأسها علي صـ,,ـدره بشرود كعادتها ليبدأ في اطعامها وهو يقبل وجنتيها من حين لأخر حتي دلفت الطبيبة قائلة بابتسامة :
– صباح الخير…
سرعاً ما غزت الحمرة وجهها حين راته يطعمها بتلك الطريقة ، أخفت ضيقها ليجيبها ببرود ولم يغير من وضعهم بل مازال يطعمها ويقبلها وكأنهم بمفردهم! : – صباح الخير يا دكتور… جلست وهي تتحاشي النظر اليهم قائلة بعملية : – انا شايفة تحسن كبير في حالة مدام ميرا بس عايزة اتناقش مع حضرتك في طريقة علاجها صدقني الي حضرتك رافضه ده هيساعدها جداا ! رمقها بنظرة مشتعلة لتتمني لو لم تتحدث بهذا الأمر ليشيح ببصره وهو يحملها ويضعها علي فراشها ويدثرها بغطائها ثم التفتت ليجلس أمام الطبيبة قائلاً بتهديد بارد :
– شوفي يا دكتورة رضوي قسماً عظماً لو فتحتي الموضوع ده تاني هيبقي فيها مو*تك ! وانتي عارفاني مبهزرش ! ابتلعت غصة بحلقها بخوف لتردف بارتباك محاولة اقناعه : – يا يوسف بيه حضرتك فاهم غلط احنا مش هنأذيها ونسبة الكهربا بسيطة جداا بس هتساعدها ترجع لوعيها في اقرب وقت ! قست نظراته وهو يردف ببرود : – انا مش بعيد كلامي مرتين ! علاج بالكهربا ده للمجانين وانا مراتي مش مجنونة وعمري ما هعرضها لحاجة زي دي ولو هتفضل كده بقية العمر !
يأست من محاولة اقناعه لتهتف مغيرة الموضوع : – طب انا في حاجة محيراني ازاي مدام ميرا حامل في 3 شهور وانتوا اصلاً انفصلتم بقالكم كتير والحالة دي جتلها في وقت رجوعكم زي ما حكيتلي ؟ أشعل سيجارته ليضع ساق فوق الأخرى ليجيبها بلا خجل وكأنه يتحدث عن أحوال الطقس! : – حصل في نفس اليوم الي خط*فتها فيه رغم خنا*قنا بس هي مكانتش في وعيها وانا كنت مشتاقلها جداا ولما صحيت الصبح مفتكرتش اي حاجة وانا غيرت هدومها علشان متعرفش والخلاف بينا يزيد ، لو خلصتي كلامك ياريت تتفضلي وتبعتيلي الممرضة بالعلاج بتاعها !
نهضت بحرج وضيق من تصرفه وكأنه بمنزله وبنفوذه استطاع المبيت بالمشفى متي شاء تكاد تقسم انه المريض وليس زوجته ويكفي تحملها لطريقته الجافة انه مخيف بحق! وكأنه مصنوع من قسوة وبلا قلب تكاد لا تصدق قصة الحب بينهم! *****
تأففت بضيق وهي ترفض اتصاله للمرة التي لا تذكر عددها لتصلها رسالة اعتادت وصولها في هذا الوقت يومياً لتقرأها وهي تحارب ابتسامتها من الظهور : (” دقَاتي تقرعُ كالطبول وتنادي بحروفك وكأن قلبي موشوماً بحبك فارحمي انفاسي التي أبت الخروج دون ان تلامس بوجهك “)
ابتسمت رغماً عنها وهي تقرأ كلمــ,,ـاته التي يرسلها يومياً بلا كلل او ملل منذ انفصالهم ، غيرت ثيابها لتغادر المنزل وما ان صعدت الي سيارتها حتي وصلتها رسالة أخرى : (” جميلة انتِ بفستانك البني بلون عينيكِ البندقية وبتلك الحقيبة السواء التي تماثل اهدابك التي تظلل وهج البندق المميز بقطتي البرية “) غزت الحمرة وجنتيها لتبتسم وتكمل طريقها وصلت الي مركز التسوق لتشتري ما تحتاجه وما ان وصلت الي سيارتها لتنفخ بضيق : – ايه الحظ ده ! ده وقته الكوتش ينام !
ابتعدت لتحاول ايقاف سيارة أجرة لتجد سيارته تقف أمامها لينزل النافذة ويهتف بأمر : – اصعدي…سأوصلك للمنزل ! رمقته بغضــ,,ـب لتلتف وتصعد جانبه قائلة بشك : – لما اشعر انك من افسد الاطارات ؟ طالعها بعيناه الزرقاء التي تعشــ,,ـقها قائلاً ببراءة : – بالتأكيد لا ، انا فقط كنت امر بالصدفة فوجدتك لا أكثر ! تنهد ليردف بهدوء : – ألن تسامحيني ليلي ؟ لقد مضي شهرين منذ تلك الليلة وكلانا أخطأ ! تنهدت بعمق لتردف بشرود :
– أتعلم داني منذ ان كنت طفلة صغيرة اعتدت ان اري الامهات يض*ربن اطفالهن وبقسوة لكني لم أجربه قط لان أمي لم تض*ربني انا او شقيقتي من قبل واعتادت ان تقول لنا دوماً اننا لا نض*رب سوي الحيوانات ! نحن بشر لنا عقل نتــ,,ـحدث به ونتناقش به ذلك العقل الذي يحل كل الامور التي يعجز العنــ,,ـف عن فعلها ! انا صرت أخشاك داني…واخشي اغضابك…لم أعد أمن نفسي معك ! تألم لحديثها أهذا كان شعورها حين صفعها! رغم بساطة الأمر الا ان كبرياءها عنيد مثله ليهتف :
– لما لا تعطيني فرصة أخرى ! وسأثبت لكِ انني لست سوي أمانك وسأمحو ذلك الخوف من قلبك أعدك !. دمعت عيناها وهي تهتف بجمود : – لقد انفصلنا منذ ثلاثة أشهر داني انت لم تدرك ذلك بعد وهذه ليست مشكلتي ! كان قد وصل امام منزلها لتترجل دون ان تنتظر رده هي بالفعل سامحته لكن يجب ان تجعله يدرك فداحة خطأة والا يتخذها وسيلة للتعبير عن غضــ,,ـبه فيما بعد فاذا صمتت علي فعلته سيكررها كعادة كل البشر…
*****
تسلل الصغير الي غرفته بحذر ليجده جالس وسط الظلام كعادته ليعض علي شفتيه قائلاً بأدب : – ينفع أدخل يا بابا ؟ لاح شبح ابتسامة شاحبه علي محياه ليهتف بخفوت : – تعالى يا يزن… اقترب الصغير ليحمله ويجلسه علي ساقيه قائلاً بحنان : – ايه يا روح بابا ناقصك حاجة ؟ نفي الصغير قائلاً بنبرته الطفولية : – لا يا بابا انت بتجبلي كل حاجة بس انا عايزك ترجع تلعب معانا زي الأول ، انت مبقتش تلعب معانا من ساعة ما توتا مشيت !
اختفت ابتسامته ليشعر بألم طفيف يض*رب قلبه من سيرة صغيرة التي فقدها ليهتف بنبرة جاهد لإخراجها طبيعية : – معلش يا حبيبي…بابا تعبان شوية الأيام دي اول ما ابقي كويس هرجع العب معاك انت ومازن…متزعلش مني… قبله الصغير علي وجنته قائلاً بلطف : – مش زعلان…وانا هقول لربنا يارب بابا يخف ويلعب معانا…علشان ماما قالتلي لما نعوز حاجة نقول لربنا وهتحصل !
نهض الصغير وغادر الغرفة ، لينظر في أثره بدهشة فهو قد تناسي صلاته في خضم حزنه علي فراق صغيرته وقد نبهه الصغير الذي لم يتعدى عمره بضع سنوات! لينهض ويدلف للمرحاض ويتوضأ ثم بدأ بالصلاة ليختمها بمناجاة ربه بأن يعيد له صغيرته فقد تعلق بها حتي بات فراق مستحيلاً ليهمس بضعف ولم يشعر بتلك الدموع التي شقت طريقها علي وجنتيه : – يا رب ترجعلي…انا مقدرش أعيش من غيرها انا معدتش عايز اخلف خلاص انا كنت مكتفي بيها هي ويزن ومازن…قلبي بيوجعني عليها…
بالأسفل دلفت “سارة” الي المنزل برفقة صغيرها “مازن” لتجد والدة زوجها تعد الطعام لتقترب منها قائلة بعتاب رقيق: – كده يا ماما مش قولتلك انا الي هعمل الأكل وانتي متتعبيش نفسك ؟ اجابتها بابتسامة حنونة : – ولا يهمك يا حبيبيتي انتي هتعملي ايه ولا ايه ؟ مش كفاية شغل البيت والعيال وكمان انتي لسه راجعة من برا اطلعي غيري هدومك وارتاحي وانا شوية وهخلص الأكل وهبقي اندهلكم ! قبلت كفها بحب قائلة :
– ربنا ميحرمنا من وجودك يا ماما…
علي الرغم من بغضها لها ببداية زواجها الا ان أنها استطاعت استمالتها فأصبحت العلاقة بينهم ودودة ، صعدت الي الأعلى لتجده بنفس جلسته الواجمة متعب الملامح لا ينام الا قليلاً حتي الطعام تجبره علي الأكل بحجة الا يقلده الصغيرين جلست بجواره علي الفراش ليهتف بهدوء : – مرات أخوكي عاملة ايه ؟ تنهدت بحرارة مردفة :
– يعني في تحسن بسيط ويوسف مبيسبهاش…بس اتغير اوي يا الياس…مبقاش يوسف الي اعرفه طريقته باقت ناشفة وبقي فيه برودة فظيعة وبقي مهمل في نفسه اوي مش بياكل كويس وطول الوقت عصبية وميعديش يوم من غير ما يض*رب حد سواء من الممرضين او الحرس بتوعه ! ابتسم ساخراً فهو لا يختلف كثيراً عن حالة شقيقها لتنتشله من شروده قائلة بشفقة : – مش ناوي تخرج من العزلة دي بقي ؟
اجابها بنفس هدوءه : – لا مش ناوي الا لما بنتي ترجعلي !
تنفست بعمق قائلة :
– انت عارف ان الي حصل كان صح وكان لازم يحصل ؟ رمقها بتساؤل لتكمل : – انت كتبتها علي اسمك والتبني حرام شرعاً يعني تقدر تكفلها وتجيب كل احتياجاتها وتربيها وتكبرها بس مينفعش تكتبها علي اسمك ! انا عارفة انك عملت كده مضطر بس طالما اهلها ظهروا يبقي ده الصح ! صمت لا يجد اجابة فهي محقة لتكمل فهي تطرق علي الحديد وهو ساخن كما يقال : – وكمان متنساش انها مش بنتك بجد…اهلها الحقيقين هما الأحق بيها مننا والله أعلم كانت حالتهم عاملة ازاي لما تاهت !
اشتعلت النيران بداخله ليصرخ بها بعصبية : – لأ ! تقي بنتي غصباً عن اي حد ومش هتعيش بعيد عني ! ابتلعت ريقها قائلة بمهادنة : – طب اهدي بس…انا عندي فكرة كويسة تحل الموضوع ده ! نظر لها ليحثها علي الاكمال لتسترسل : – ايه رأيك تروح لأهلها وتقنعهم نجيبها كل اسبوع مثلاً تقضي معانا يومين وبردو تجبلها اي حاجة ناقصاها وتخرج معانا عادي واهو منه تبقي مبعدتش عن أهلها ومنه بردو تفضل قدامنا !
فكر ملياً في حديثها ليجده منطقياً نوعاً ما لينهض قائلاً بلهفة وهو يخرج ثيابه : – هروحلهم دلوقتي واكيد هيوافقوا ! ابتسمت بحنو من لهفته الظاهرة وضحكت بخجل حين بدأ يغير ثيابه أمامها لتخفي وجهها بين كفيها حتي انتهي ليقترب ويقبل جبينها مسرعاً ليغادر وهي تناديه : – طب استني اتغدي الاول ؟

