
_ تلفت يرمق المكان من حوله بتفحص يتأكد من أن لا يراه أحد، جلس القرفصاء ما أن وصل إلى المكان المراد، حفر بيده عُمق قليل ثم سحب جورب قطني، مد يده داخله وأخذ سلاحه الذي أخفاه بعيداً عن ولده حتى لا يكرر فعلته التي كان سيقع فيها لولا وصوله في الوقت المناسب _ عاد حمدان بذاكرته إلى ذلك اليوم المشؤم حين عاد إلى منزله ورأي طاهر يقف أمام خزانته ويأخذ سلاحه، أسرع نحوه وسأله بإرتباك ممزوج بالحدة الرافضة لأخذه لسلاحه:-
وااه واجف عنديك بتعمل إيه؟ ورايد إيه من سلاحي عاد؟
_ إلتفت طاهر نحوه ورمقه بنظرات إحتقارية ولم يتردد في الرد عليه بخشونة:-
هسلم السلاح للحاكومة أني مهكنش أخرس كيف الشيطان وأجف اتفرج على عمايلك
_ صعق الآخر من صراحته الوقحة وأقترب منه يريد إستعادة سلاحه بأي ثمنٍ كان، رفض طاهر التخلي عن السلاح بتلك السهولة ولأن قوته مضاعفة لقوة والده الهزيلة استطاع أن يهرب من أمامه، كاد أن يغادر المنزل لكن توقفت قدميه حين إستمع لحديث والده الذي حاول التلاعب به بنبرة متوسلة:-
أني مخايفش على نفسي، أني خايف عليك أنت وأختك، خايف على سمعتكم اللي هتتلط لو إتعِرف إن أني اللي جتلت ولد العمدة، أختك حالها هيجف أكتر ماهو واجف العرسان مهدقش بابنا واصل، معلوم مين هيناسب جتال جتله؟
_ توجه حمدان نحو طاهر بخطى ثابتة وهو يري سكونه، لابد أن حديثه سيجدي نفعاً، وقف خلفه ووضع يده على كتفه وتابع حديثه بإنكسار مزيف:-
وأنت كمان يا ولدي خايف عليك، مين هيجبل يجوزك بته وأبوك جاتل؟ بلاش ديي تفتكر ورد هترضي تتجوزك بعد ما تعرف أن بوك هو نفسه جاتل جوزها اللي كس\ر فرحتها؟ _ إستدار إليه طاهر ونظراته توحي إليه بإشارات تلومه وتعاتبه عما بدر منه والأن يطالبه أن يعرض عن الحق بتلاعبه على أوتار حساسة للغاية لديه ..
_ أضاف حمدان وهو يتراقص داخله على سذاجة إبنه، لم يتصور أن الموضوع سيمُر دون عناء بتلك السهولة:-
أنت خابر زين سرو بلدنا وخابر إن محدش هيتعامل معاك تاني لو عرفوا الحجيجة وأنت بلي رايد تعمله ديه هتظلم نفسك وديه أولهم وتظلم أختك وأمك وديه تانيهم، لو لساتك رايد تبلغ عني روح مهمنعكش بس متبجاش تزعل من اللي هتجابله بعدين _ تركه حمدان وعاد إلى غرفة الضيافة، أغلق باب الخزانة متأملاً في رجوع طاهر إليه وتسليمه السلاح لكنه تفاجئ بخروجه من المنزل، إستدار ونظر إلى الباب بصدمة شديدة، أيعقل أنه لم يصغي إلى أي شيئ مما قاله؟
_ إزدادت نبضات قلبه متوجساً خيفة من تهور طاهر، حاول أن يطمئن نفسه لكن لم يعرف للراحة سبيل، تراجع خطوة إلى الخلف وجلس بإهمال على الأريكة في انتظار مجئ الشرطة لكي يلقوا القبض عليه .. _ بعد وقت ليس بقصير عاد طاهر وقد تحول لون بشرته إلى الاحمرار القاتم لابد من إنعكاس ال\ الذي يتبدد داخله، ألقى السلاح أرضاً وصاح به مندفعاً:-
أني عاودت عشان أختي وأمي مش عشانك واصل لو عليك فأني مش هتردد إني أسلمك بيدي للحاكومة
_ ألقي ما في جوفه وغادر يلعن ضعفه وقلة حيلته التي منعته من الإبلاغ عنه، لا يرضي بتصرفه لماذا عاد أليس الله موجود وسيرعي شقيقته ووالدته؟ لما خشى أن يعرضهم للنبذ؟ ربما لأنه لن يتحمل تأنيب الضمير الذي سيأتي من خلف ما ستعيشانه بسبب فعلته؟! _ عاد حمدان من ذكرياته وهو يبتسم بإنتصار، أعاد السلاح كما كان وألقى عليه الأتربة إلى أن إختفي تماماً، نهض ودار حول نفسه يتأكد من خلو المكان ثم غادر سريعاً قبل أن يراه أحدهم ..
*** مساءاً،
إجتمع خليل وزوجته على مائدة الطعام لا يشتهون أي شيئ على الرغم من تعمد صفية في تنويع الأكلات لكي تغري أعينهم، تفعل كتلك المقولة
‘ العين تأكل قبل الفم ‘ _ نهضت السيدة نادرة من مقعدها مرددة بنبرة هادئة منكس\رة:-
مليش نفس للوكل كُل أنت _ لحق بها خليل قبل أن تبتعد عنه بحديثه:-
عاودي مكانك يا نادرة خلينا ناكل كيف البني أدمين كيف ما كنا بنعملوا زمان _ تقوس ثغرها للجانب مُشكلة بسمة ساخرة ورددت بتهكم:-
كيف زمان؟ هنرجعوا زمان كيف يا عمدة؟ طيب لو الزمان رجع اللي فارجونا هيرجعوا تاني؟
_ تنهد خليل بحزن ورفض أن يتأثر بحديثها وأمرها:-
جولت عاودي مكانك هتعصيني إياك! _ تفاجئت بحدته التي تعامل بها وعادت بهدوء إلى مكانها فمزاجها ليس في محله لكي تدخل معه في جدال لن ينتهي إلا بمشاجرة كبيرة، نادي خليل بصوته الأجش ما أن جلست نادرة:-
صفية _ جائته مسرعة ووقفت أمامه مجيبة على ندائه:-
نعم يا سيدي؟ _ رمقها خليل لبرهة قبل أن يردف:-
نادي على مصطفى ياجي يتعشي معانا ومتنزليش إلا وهو معاكي، بكفيانا فراج لغاية أكده مـ,ـوتنا بالحياة بلي بنعمله في نفسنا ديه
_ دقت أسارير السعاده قلب صفية وهي تراه يريد إستعادة حياتهم السابقة، تشكلت بسمة عفوية على محياها وأجابته بحماس:-
أمرك يا سيدي _ أوقفها خليل قائلاً:-
وبلغي ورد تنزل تاكل هي كمان ولا أجولك خدي لها الوكل عشان مهتعرفش تاكل في وجود مصطفى _ امأءت له بالقبول وأسرعت إلى الأعلي مهرولة تتمني لهم صلاح الحال وأن تعود حياتهم كما كانت مليئة بالسعادة والهناء، طرقت باب مصطفى وولجت للداخل حين سمح لها، قابلته بوجه بشوش وهتفت بسعادة:-
العمدة رايدك تنزل تتعشي معاهم وجبل ما تعترض جالي متنزليش غير وهو معاكي وأنت خابر إن العمدة ميحبش كلمته تتعصي أبدا
_ نفخ مصطفى بضجر بائن وردد بفتور شديد:-
وأني مراديش أكل جوليله لجيته نايم
_ لم تتحرك صفية وحاولت أن تلين عقله الحجري ذاك:-
لو تاخد بنصيحتي يا مصطفى يا ولدي جوم أنزل إتعشي وسط أهلك، العيلة مبتتعوضش أبدا، رجع لمتكم من تاني وإضحكوا الحياة جاسية جوي ومشكلتها أنها مبتجفش على فراج حد واصل مهما كان غالي، بتكمل كيف الجطر اللي ماشي ومش هيجف غير في محطته حتى لو واحد من الركاب رايد ينزل في نص الطريج، بوك وأمك مهمومين وجلوبهم شايلة حزن كابير وأنت اللي في يدك ترجع لهم بسمتهم تاني، لو ليا خاطر عنديك يا ولدي جوم كُل وياهم ومتكس\رش بخاطرهم
_ تأثر مصطفى من حديث صفية كما أنبهُ ضميره على حالة والديه الذي لم يفكر في التخفيف عنهم قط، لكن كيف وهو يفشل في التخفيف عن آلامه!! _ سحب مصطفى شهيقاً يحاول به إقناع عقله على النزول إلى الأسفل وأردف وهو ينهض من مكانه:-
هنزل معاكي _ ظهرت إبتسامة عريضة على وجه صفية مبدية مدي سعادتها في تلك اللحظة، هبطت إلى الطابق السفلي برفقة مصطفى الذي ما أن رآه والده حتى تبسم براحة فهو لم يصدق أنه إمتثل لأمره، لقد عاني في الأيام السابقة من عصيانه المستمر
_ ألقى مصطفى عليهم التحية وهو يجلس مكانه:-
مساء الخير _ أجاباه في نفسٍ واحد:-
مساء النور _ شرع الجميع في تناول الطعام، شعرت نادرة بالتحسن القليل في وجود مصطفى معهم، في تلك الأثناء همت صفية بتحضير العشاء خصيصاً لورد وصعدت إليها طرقت الباب وإنتظرت حين فتحت لها وقابلتها بود قائلة:-
إتفضلي يا صفية _ ولجت للغرفة ووضعت الطعام أعلى الطاولة ورددت مؤكدة بمرح:-
كلي الوكل كلاته وديه أمر من العمدة واجب التنفيذ _ ضحكت ورد على داعبتها وقالت بنبرة تميل إلى الرجاء:-
ما تجعدي تاكلي لجمة معايا بدل ما باكل لحالي أكده وباجي على تاني لجمة ونفسي تتصد
_ طالعتها صفية بشفقة شديدة ولم تعترض طلبها بل قابلته بصدر رحب مهللة:-
بس أكده عيوني التنين وكمان هنادي البنتة ياكلوا ويانا _ إزدادت إبتسامة ورد بسعادة دقت أبواب قلبها، خرجت صفية تنادي هويدا وصفاء اللتان جئن مهرولين، جلسن جميعهن على الأرض حول صنية الطعام وشرعن في الطعام ولم تكف إحدهن عن الثرثرة طيلة الجلسة .. *** إنتهي خليل ومن معه من الطعام ونهضوا عن المائدة، أوقف خليل مصطفى قبل أن يفر هارباً كعادته ويتسلل خارج المنزل قائلاً:-
تعالي يا مصطفى رايد أتحدت معاك
_ أماء له بقبول بينما إبتعدت عنهم نادرة لكن أوقفها خليل مردداً بصوته الجهوري:-
إستني يا نادرة رايدك تحضري أنتِ كمان _ إستدارت إليه وهي تريد الهروب من بينهم وتعود إلى فراشها الذي بات رفيقها في الأوانِ الأخيرة، لكن إصرار خليل أجبرها على الجلوس معهم في غرفة الضيافة .. _ حمحم بخشونة ثم بدأ حديثه لطالما طال التفكير فيه، لقد حان موعد إخبارهم عن قراره الذي عزم على فعله:-
عدة ورد خلاص هتخلص بكرة
_ رمقه مصطفى بفتور فهو لا يعي ما شأنه في ذلك الأمر، تحلي بالصبر قدر المستطاع لحين فهم ما يشير إليه أباه الذي تابع حديثه المسترسل:-
رايدك تتجوزها _ وقعت جملته ألجمت ألسنتهم من هولها، لم تستوعبها عقولهم حتماً يمازحهم، إنتفض مصطفى مذعوراً وعارضه بإحترام:-
بتجول ايه يا بوي ؟ أتجوز مين؟ _ نهضت نادرة هي الأخري ودعمت إبنها معارضة زوجها بحدة:-
مين يتجوز مين يا خليل إيه اللي چاب مصطفى لورد؟ _ أضاق خليل بعينيه على نادرة مستنكراً آخر ما تفوهته وأجابها مستاءً:-
ما سبج ورديتي بيها لهلال ولا مصطفى مش زييه؟
_ أسرع مصطفى بالرد عليه يوضح له سبب رفضه:-
أديك جولتها يا بوي _ حرك خليل رأسه بتهكم فهو لم يعي قصده وردد متسائلاً:-
أني جولت إيه؟ _ أجابه الآخر بوجه محتقن:-
ورد كانت مرت هلال يعني مرت أخوي الله يرحمه _ أزفر خليل أنفاسه بضجر بائن للجميع وصاح به مندفعاً:-
وأنت جولت أهاه الله يرحمه يبجي إيه اللي يمنع؟ _ إتسعت حدقتي مصطفى على آخرهم لا يصدق عقله ذلك الحوار المنتهي لديه، لقد فاجئه والده لدرجة أنه لا يدري من أين يأتي بسبب الرفض تحديداً لأن الموضوع غير مقبول لديه بالمرة
_ حاول التحلي بالقليل من الصبر الذي على وشك النفاذ وأردف موضحاً سبب إعتراضه:-
يا بوي كيف أني وأخوي نتشاركوا حرمة واحدة؟ _ هدر به خليل شزراً لعدم استيعابه للأمر بعد:-
تتشاركوا إيه يواد إتحشم عاد، وبعدين لا عيب ولا حرام وأنت لا أول ولا آخر واحد يتجوز مرت خوه ومن الأخر ديه عُرفنا إن الولية إن م\ات جوزها خوه أولى بيها من الغريب _ لن تجدي نفعاً العصبية الأن، أوصد مصطفى عينيه لبرهة وعاد بأدراجه إلى حيث مجلسه وتحدث بهدوء:-
العُرف ديه يتنفذ لو معاها كوم عيال لكن هي لحالها
_ لم يقتنع خليل بحديثه وتابع بإصرار واضح:-
وعشان إكده أني رايد الجواز يتم إكمنها لحالها وعمها ديه أني مبرتحلوش واصل _ خرجت نادرة عن صمتها تلك المرة، لم تتحمل سماع المزيد من السخافات لأكثر من ذلك وصاحت في زوجها مبدية رفضها التام للأمر:-
مصطفى مسبجش له جواز يعني يستاهل بت بنوت مش أرملة! _ تقوس ثغر خليل للجانب مبدي تهكمه من هرائها:-
البنية أرملة ولدك يا نادرة، وبعدين ما كان جدامه البنتة كاتير وجبناله عرايس ياما وكان مصمم على كلمة لاه لاه مهتجوزش يبجي فرجت أرملة من بت بنوت طلاما هو رافض الفكرة نفسها
“فرجت يا خليل يا جبلاوي، ثم أني معتش مرتاحة للبت ديي جدمها جدم الشوم، البيت خرب من أول ما دخلته سيبها تغور ونخلصوا من شومها
_ هتفت بهم نادرة بعصبية بينما ض/رب خليل الأرض بعصاه ونهرها ب\ شديد:-
رطرطت الحريم ديي متهمنيش بلا جدم بلا أربعتاشر جدم _ وجه خليل بصره نحو مصطفى الذي إنسحب من الحوار وسأله بتجهم:-
ها جولت إيه يا مصطفى؟
_ لم يأتي مصطفى بفكرة يمكنها إقناع عقل خليل الجبلاوي، نعم هو الأن يتحدث كعقل عائلة الجبلاوي وليس بعقل الأب، نهض مرة أخري ووقف أمامه وألقى ما في جوفه دفعة واحدة:-
بصراحة يا بوي أني من حجي اتجوز بت بنوت كيف ما أمي جالت مش أرملة!
_ يعلم جيداً أن ما أفصح به ماهو إلا هراء فهو ليس بتلك العقلية كما أن والده يعرفه جيد المعرفة ولا يمكنه تصديقه بتلك السهولة، طالت نظرات خليل عل مصطفى بعدم إقتناع فهتف مصطفى قائلاً حين استشف ما يوجد خلف نظراته:-
يا بوي الله لا يسيئك إفهمني، ورد ديي أني مشيفهاش غيرت مرت أخوي مش هجدر أغير نظرتي ليها واصل، كل ما هبصلها هفتكر هلال الله يرحمه ولا يمكن أخد خطوة نحيتها كزوجة ليا، بالله عليك تفهمني وتجدر اللي بجوله
_ أماء له خليل برفضٍ تام وحاول الدخول له من ثغر أخري لعلي قلبه يلين:-
ورد أمانة خوك مينفعش نهمل الأمانة، هتجف جدام خوك بعد عمر طويل تجوله مجدرتش أحافظ لك على الأمانة يا خوي؟ _ لا وألف لا لن يقبل بتلك السخافات مطلقاً، لم يرفض الفتيات جميعهن من أجل واحدة رسمها في خياله تليق مع شخصيته ثم في نهاية المطاف يقع مع أرملة أخيه ذات الوشاح الأسود!!
_ غادرهم دون زيادة أو نقصان، لم يكن هناك داعي لإبداء رفضه الأن فعلي ما يبدو أن والده أخذ عهداً على نفسه ولابد من تنفيذه ولا يكترث للظلم الذي سيحل على ولده بربطه بفتاه بالتأكيد لن ينظر إليها يوماً، كذلك هي سـ يمسها من الظلم قدراً لأنها تستحق حياة أفضل تعويضاً عن فراق أخيه لكن مع شخص آخر وليس هو .. _ تفاجئ مصطفى بوجود ضيف في حديقه السرايا ما أن خرج منها، إقترب منه وسأله بقلق:-
في حاچة ولا إيه؟
_ أجابه ضيف يحاول إطمنأنه حين رأي القلق في عينيه:-
كنت جاي أطل عليك غيبتك طالت جوي يا صاحبي والواحد مبيعرفش يتحدت معاك في الأرض بيحس أنك هتاكله _ إنفجر ضيف مقهقهاً على داعبته الأخيرة بينما بدي مصطفى جامداً لا يهتم لا لحديثه ولا لضحكاته، سرعان ما أختفت الإبتسامة من على وجه ضيف وأردف معاتباً:-
يا ساتر عليك يا أخي حتى مش هاين عليك تبتسم

