
_ وقف الجميع يتابع ما يحدث في صمت، لم تكن لديهم القدرة على الإعتراض أمام رجال القانون، صدمتهم في فراق هلال كانت كفيلة لأن تلجم ألسنتهم وتقيدهم أمام الأمور مهما كانت عظمتها.. _ توجهت ورد مباشرةً إلى حيث يقف خليل وأرادت تبرئة طاهر قائلة:-
طاهر ميعملهاش يا عمي _ رمقها خليل بإرهاق بادي على ملامحه وأجابها مختصراً الحديث لكي يفر هارباً إلى غرفته:-
عارف يابتي وانتِ بنفسك سمعتي نفادي وهو عيجول أنه هيسئله كام سؤال يعني مفيش جلج
_ أسرعت هي بالرد عليه متعشمة في لطفه:-
بس كلمتك أكيد هتفرج معاه ياريت متهملش الموضوع وتتابعه بنفسك _ أماء رأسه بقبول ومن ثم إنصرف سريعاً من أمامها قاصداً غرفته، بينما نظرت هي إلى زوجه عمها محاولة طمئنتها:-
متخافيش يا مرت عمي أني مش هخليه يبات هناك ليلة واحدة _ رفعت ثريا بصرها على ورد بندم ممزوج بالشفقة فكل ما حدث لها كانت السبب به هي وزوجها والآن هي من تدعمها وتطمئنها على ولدها، لم تتحمل وأنهارت في البكاء نادمة بشدة على ما أقترفته في حقها..
_ حاولت ورد التخفيف عنها ببعض الكلم\ات الداعمة ومن ثم إنصرفت ثريا برفقة سنية التي يتوعدن لحمدان أشد الوعيد بينما عادت ورد على غرفتها تتفقد كل ركن قد حدث بينهما فيه حوار حتي إن كان قصيراً، جلست أمام الفراش مستندة على جداره ضامة ركبيتها أمام صدرها وحاوطت قدميها بكلتي ذراعيها دافنة رأسها بينهم سامحة لعبراتها في النزول بألم شديد ..
_ في الغرفة المجاورة، ولج خليل إلى غرفته مطأطأ رأسه بهموم كثيرة قد وقعت على عاتقه، إبتعدت صفية عن السيدة نادرة حاملة لصنية الطعام وأردفت بأسى:-
رافضة الوكل ومش راضية تحط لجمة في بوجها حتى العلاج رافضة تاخده وأني خايفة السكر يعلي عليها وتدخل في غيبوبة كيف ما بيوحصلها لما تمنع الوكل _ أخذ شهيقاً موجوعاً وأجابها بمزاج غير سوي:-
ومين له نفس للوكل يا صفية، عمود من عمدان السرايا أتهد ناكل كيف جوليلي _ بكت صفية متأثرة بحديثه ورددت مواسية إياه:-
ربنا يصبركم يا سيدي
_ صدرت منه تنهيدة حارة تدل على عمق حسرته ووجه حديثه إليها أمراً:-
هملينا لوحدنا يا صفية وسيبي الوكل إهنه _ أماءت له بالقبول ووضعت الطعام أعلى الطاولة ثم قامت بسحبها بالقرب منهم لكي يسهل عليهم تناوله وغادرت الغرفة داعية الله أن يصبر قلوبهم على مصيبتهم ..
_ أستند خليل على حائط الفراش وأوصد جفنيه للحظات، أخرج كل مافي جوفه بنبرة متحشرجة:-
ياريتني كنت أني يا ولدي وأنت لاه، مجدرش أتحمل فراجك عني، كيف هعاود للدار ومتستجبلنيش ببسمتك وشجاوتك كيف ما بتعمل، مصطفى هيجف جصادي عشان مين دلوك؟ مين هيحرث حتة صغيرة من الأرض طول اليوم وعيجول إنه حرث الأرض كلاتها لوحديه، جطعت بيا يا هلال، كنت فاكر أنكم هتوصلوني لجبري وتجفوا تاخدوا عزايا مكنتش أعرف إن أني اللي هاخد عزاك لاول يا غالي
_ خارت قوة خليل ولم يعد يستطيع إكمال حديثه وانفجر باكياً، تخرج منه شهقات قوية من آن لآخر ، أه مكلومة خرجت من صدر أب يتمزق قلبه على فراق غاليه، أين جبروت تحكم\اته؟ أين قوة أسلوبه وطريقته الخشنة، أين هم الأن لقد دفـ,ـنهم مع صغيره في ذلك القبر الموحش .. _ تنسدل عبرات نادرة على الوسادة ولا تصدر أي حركة ولا آنين، فقط تبكي في صمت إلى أن تورم جفنيها ولم تعد تري بوضوح كما كانت
_ حرك خليل رأسه ونظر إليها وأردف بنبرة أمرة:-
جومي كلي لك لجمة لحسن تطبي ساكتة _ أجابته بتمني لحديثه:-
ياريت وأروح لحبيبي.. _ أوصد عينيه بتحسر علي ما أصابهم وردد مستنكراً حديثها:-
وتهمليني يا نادرة ؟ بلاش أني تهملي ولدك مصطفى؟ رايداه يتوجع على فراجك كيف ما عيتوجع على فراج خوه دلوك؟ جومي كلي عشانه هو على الأجل _ رفضت نادرة إدخال أي شيئ في جوفها وباتت تبكي كما تفعل لا تصغي لأي من توسلات زوجها التي يحثها على
التوقف والتحلي بالقوة لكن هيهات لكلم\اته أمام آلامها وأحزانها..
في مركز القرية وبالتحديد غرفة التحقيقات، يجلس نفادي على مكتبه يطرح أسئلته على طاهر بنبرة صارمة:-
يعني إتعاركتوا عشان نفثت دخانك في وشه جولتلي، وليه تعمل حاجة زي أكده ده انتوا نسايب يا راجل يعني عيبة في حجك _ أخذ طاهر شهيقاً يحاول طمئنة نفسه بأن الأمر لا يستحق كل ذلك الارتباك وأجابه بنبرة مهزوزة بعض الشيئ:-
كنت مخنوج وهو واضح أنه كان مهموم واإتنيناتنا طلعنا خنجتنا في بعض ديي كل الحكاية، صدجني أنا أخر واحد تفكر أنه ممكن يجتل أني مقدرش اجتل فروچ هجتل بني آدم من لحم ودم!
_ رفع نفادي حاجبيه للأعلى كذلك رفع شفتاه السفلي لتغطي الشفاه العلوية ورد عليه بفتور:-
هنشوف يا طاهر موضوع الفروچ ديه بس لاول نشوف موضوع جتل هلال _ صمت نفادي وأرتشف بعض المياه ثم تشجأ بصوت عالٍ وأضاف بنبرة أشد جموداً:-
وعلى لما نوصلوا لحاچة تثبت برائتك أو تدينك هتشرف عندينا إهنه شوية _ صعق طاهر مما وقع على مسامعه وحاول نفي التهمة من علي عاتقه:-
يا نفادي بيه أني مليش صالح، أحلف لك بإيه عشان تصدجني وبعدين تجعدني إهنه ليه مفيش دليل ضدي عشان تؤمر بحبسي
_ إنتفض نفادي من مكانه بعصبية بالغة وض/رب المكتب بكل قوته براحتي يده وأندفع فيه:-
أنت هتعرفني شغلي ولا إيه وعشان حديتك ديه هخليهم يستجبلوك أحلى استجبال يليج بيك _ وجه نظره إلى الباب منادياً بصوت مرتفع:-
أنت يا عسكري يلي برا تعالي خد المتهم ديه _ ظهر العسكري من خلف الباب ما إن أنهي نفادي جملته وأمسك بذراع طاهر أمراً إياه بحدة:-
جوم ياخويا _ أوقفه نفادي قبل خروجه قائلاً:-
خليهم يستجبلوه زين _ رفع العسكري ذراعه للأعلى بقرب أذنه وهتف بطاعة:-
تمام يا فندم
_ عاد نفادي لمقعده وقام بالاتصال على أحد رجاله وقال:-
جيبلي صاحب الجهوة اللي جامت فيها العركة وكل اللي كانوا حاضرين _ جائه الموافقة على ما أمر به من الجهة الأخرى فأغلق الهاتف ووجه بصره نحو الباب متمتماً:-
لما نشوف ليك يد يا طاهر ولا كيف ما بتجول .. ______________________________________ _ إقتحمت المنزل كالثور الهائج تبحث عن حمدان، وقفت في منتصف المنزل وصاحت بإنفعال شديد:-
حمدان انت فين يا حمدان، ولدك إتاخد في الرچلين من ورا عمايلك السودة، أنت فين رد عليا؟
_ ظهر حمدان من خلف باب غرفته لا يعي ما قالته، أقترب منها بملامح جامدة كعادته وردد:-
بترطرطي وتجولي إيه يا ولية؟ _ أقتربت هي منه إلى أن إلتصـ,ـقت بصدره وأجابتـ,ـه مشمـ,ـئزة منه:-
ولدك الحاكومة خدته لما عرفـ,ـوا إنه إتعارك مع ولد العـ,ـمدة أني مهتحملش أجعد دجيجة واحدة وإبني جوا المخروب ديه شوف لك صرفة خرجه بيـ,ـها أصل اني اللـ,ـي أخرجه بطريجتي _ ألقت أخر جملتها مهددة إياه لكي يخشاها وينفذ أمرهـ,ـا، كز حمدان على أسنانه ب\ يفوق الوصف ولم يشعر بأنامله التي تخللت حجاب ثريا ليُمسك بخصلاتهـ,ـا أو ربما ينتزعهم وجرها خلفه إلى غرفتها غير آبِه لصراخها الموجوع
_ ألقي بها أرضاً وردد بوجع محتقن قبل أن يغلق بـ,ـاب الغرفه:-
ده عقاب اللي يهدد حمدان المنشاوي _ أوصد الباب بالمفتاح ثم أبتعد عنه فلحقت به صبـ,ـاح قائلة بشفقة على حال والدتها:-
يا بوي هتسيب أمي في الأوضة محبو*سة أكده لميـ,ـتي؟ _ أجابها من بين أسنانه المتلاحمة ب\:-
تلت ليالي لا تاكل ولا تشرب ولا حد يسألوا فيها أنتِ فاهمة؟ _ عارضته صباح هاتفة:-
كاتير جوي يا بوي _ نهرها حمدان دون رأفة هادراً:-
ملكيش صالح عاد بلي يوحصل وأنتِ لساتك إهنه بتهببي إيه مروحتيش لبت عمك تجفي معاها في محنتها ليه؟
_ أضاقت صباح عينيها على والدها لا يستوعب عقلها حقاً جمود حديثه كأنه ليس له يد فيما حدث، لوهلة صدقت أفعاله وحُسن نواياه من خلف ما يؤمرها به _ قط/ع حبال أفكارها بإنفعاله:-
هتفضلي تبحلجي فيا كاتير همي يابت غيري خلجاتك وروحي السرايا طوالي _ إختفت صباح من أمامه عائدة إلى غرفتها تلبي ما أمرها والدها به لكي لا يكون لها نصيب من عقابه هي الأخرى، بينما ردد بحمدان بعجرفة:-
كنت عارف إن ديه هيوحصل عشان أكده اتصرفت صوح
_ ظهرت على محياه بسمة عريضة لدهائه لكن سرعان ما أختفت بسمته حينما رأى السيدة سنية تقف في نافذة منزلها، قادته قدماه إليها وطرق بابها بأسلوب غير لائق تماماً _ إنتفضت الأخرى من مكانها مذعورة من خلف طرقات الباب بذلك الشكل، هرولت لفتحه بقدمي تتعسر في الأرض من فرط خوفها، تفاجئت بحمدان يقف أمامها وقبل أن تعاتبه إنفجر هو بها:-
أنتِ يا ولية مصممة تعصيني ليه؟ مش جولتلك هتجعدي في داري مبتسمعيش الحديت ليه؟
_ التقزز! قد شُكل على تقاسيم وجهها وأجابته بوجه عابس:-
أنت ملكش حكم عليا يا حمدان، أني لا مرتك ولا أخصك من أساسه عشان تبيع وتشتري فيا كاني بهيمة من بهايمك أني مرت خوك الله يرحمه تحترمني وتلزم حدود معايا _ صمتت السيدة سنية وإنفجرت ضاحكة على آخر ما أردفته متمتمة بسخرية:-
إحترام إيه اللي عتحدث عنيه، واحد جاتل هيعرفوا إيه عن الإحترام
_ تحولت ملامحها إلى الاشمئزاز منه ومن دنائته وتابعت حديثها مضيفة:-
صدجني يا حمدان إن ما بعدت عني وعن طريجي لاكون جتلاك وبدل ما يبجوا واحد جاتل في العيلة يبجوا تنين ودلوك إطلع برا دار خوك اللي مصونتش حرمته _ إنتظر حينما إنتهت من حديثها وأردف ببرود يميل إلى التوعد:-
همشي دلوك بس هعاود تاني ولما أرجع هجفلك خشمك ديه طول عمرك يا سنية _ أولاها ظهره وغادر وهو يضغط على أسنانه ب\ شديد متوجه إلى مركز القرية لكي يخرج ولده مما وقع فيه..
*** _ طرقت بابها ثم ولجت للداخل ما أن سمحت الأخري لها، وقفت أمامها وقالت بهدوء:-
بت عمك موجودة تحت وجاية تعزيكي _ تأففت ورد بفتور شديد فهي ليست عليى إستعداد لسخافة صباح الأن، لكن ربما ستواسيها حقاً، أي سخافة ستُحدثها في عظمة المـ,ـوت، لامت ورد نفسها على تفكيرها الذي ليس في محله وهبطت مع صفية إلى حيث تمكث صباح.. _ أقتربت منها صباح وضمتها لح*ضنها فتعجبت ورد من تصرفها الذي تتعامل معه للمرة الأولى لكنها بادلتها الح*ضن بهدوء فهي في أمس الحاجة لوقوف الجميع بجانبها في تلك الأثناء العصيبة
_ لكن سرعان ما إبتعدت عنها بعدما رددت صباح بتشفي:-
جلبي عندك يابت عمي الراجل معمرش معاكي يومين وجبتي أجله _ صعقت ورد مما صغت إليه، صدمتها كانت شديدة ولم تستوعب أن الحديث خرج من فاه ابنة عمها التي من المفترض هي من تواسي حزنها فهما الفتاتان الوحيدتان في العائلة، فلكل موقف حُرمته وتلك تعدت الحدود بمراحل جما _ أنتهبت ورد لحديث الأخري وهي ترمق السرايا بإبتسامة عريضة:-
ملحجتيش تتهني بالعز طول عمرك فجرية
_ صوبت صباح بصرها على ورد متابعة حديثها بسعادة:-
صعبانة عليا يابت عمي جوي هتهملي الأوبهة ديي وترجعي بيت بوكي تاني ووجتها يا حرام مهتخرجيش منيه واصل _ سارت نحوها بخطيى ثابتة وأنحنت على أذنها هامسة:-
أصلك هتكوني أرملة، والبنتة اللي زيي هما المرغوب فيهم بس هبجي أدعيلك ياجي لك عدلك ويعمر معاكي المرة ديي _ تراجعت صباح مبتعدة عنها وأشارت بيدها مودعة إياها:-
زارتك العافية يا بت عمي
_ غادرت صباح السرايا وما إن خطت للخارج حتى أحتدت ملامحها وهي تتذكر خُطاب ورد الكُثر، لا يمر أسبوع الا ويأتي به شاب يطلب يديها بينما هي التي تكبرها بخمسة أعوام إلى الأن لم يتقدم لخطبتها شاباً أو حتى أرملاً.. _ لم تحرك ورد قدميها بعد من هول الصدمة التي وقعت في براثينها، أهي نذير شؤم مثلما لمحت صباح بحديثها، ترقرقرت عبراتها بحزن جلي لم تستطيع التغاضي عنه _ كان يتابعن ما يحدث في صمت لكن قلوبهم تتآكل حزناً على ورد، مشفقين على حياتها التي أنقلبت رأساً على عقب وهي لازالت عروس لم تكمل يومين

