
متفكريش إنك بالكلمتين اللي قلتيهم ليا دول هتأثري وأرحمك من عذابي، بالعكس، أنتِ أديتيني دافع أكبر للانتقام منك يا دكتورة! ثم نهض مرة أخرى واتجه إلى الباب وقال: مالكيش أكل ولا شرب لحد ما يجيلي مزاجي! وخرج من الغرفة وأغلق الباب بإحكام.
في اليوم التالي، نهضت مودة بجسم هزيل وتحركت باتجاه المرحاض، فتحت صنبور الماء بيد مرتجفة وأمالت رأسها وارتشفت منه قليلاً، ثم اعتدلت وأغلقت الماء. شعرت بالغثيان وتقيأت ما ارتشفته، وتحركت إلى الخارج وشعرت بدوار شديد وكادت أن تسقط على الأرض، لكن التقطها رسلان سريعاً فسقطت داخل أحضانه. تعلقت به وبدأت تتلاشى الصورة من أمام عينيها حتى فقدت الوعي تماماً.
مال بجسده وحملها من على الأرض ووضعها على السرير، وربت على خدها لكنها لم تستجب. نهض سريعاً وأحضر زجاجة العطر وعاد إليها مرة أخرى وبدأ يحرك رائحة العطر أمام أنفها لكن دون جدوى. أمسك الهاتف الخاص به سريعاً وأجرى اتصالاً بالطبيب وأبلغه أن يحضر على الفور وأغلق الخط، وظل ينظر لها بتمعن، وحرك يده على وجهها باستغراب حتى يستكشف ملامح هذا الوجه البريء رغم قوته. انتبه إلى حاله وأبعد يده سريعاً ونهض من على السرير وجلس على الأريكة مستغرباً أفعاله. وظلت أنظاره متعلقة بها حتى حضر الطبيب وفحصها ووضع لها بعض المحاليل الطبية ونظر إلى رسلان وقال:
ضعيفة جداً وواضح جداً إن بقالها أيام مأكلتش، عموماً أنا علقت ليها محلول يعوضها عن قلة الأكل دي، ومحتاجة اهتمام أكتر الفترة الجاية بأكلها. أومأ رأسه بالموافقة وقام بتوصيله إلى الباب وعاد مرة أخرى إليها. وضع المقعد بجوار السرير وظل ينظر لها حتى وجدها تحرك رأسها ببطء. فتحت عينيها ببطء شديد وشعرت بشيء غريب ببدنها، فنظرت له ووجدت المحلول، ثم نظرت إلى رسلان بضيق وقالت:
أنت كده دلوقتى مبسوط وأنت شايف ثمار أفعالك؟! قدرت توصل لللي أنت عايزه وأنا قصادك ضعيفة، افرح بانتصارك بقى! بس قبل ما تفرح عايزة أقولك كلمة: انتصار الراجل على الست ده مش انتصار، ده ضعف! لأنك استخدمت سلطتك كراجل على واحدة ربنا خلقك قوام عليها. بس عادي، شيء متعودة عليه، قبلك بابا ودلوقتى أنت! بس الضربة اللي متموتش تقوي، ومادام أنا عايشة يبقى خليك متأكد إن الضربة دي زادتني قوة، وأنا هرجع أقوى من الأول وساعتها هكون أحسن منك ومِش هنتقم زي ما عملت، عشان الانتقام ده شيم الضعاف وأنا مش ضعيفة!
ظل يتابع كلامها بصمت تام، ثم هب واقفاً وقال: ارتاحي دلوقتى وأنا هنزل أعملك لقمة تأكليها. وتركها وخرج من الغرفة. نظرت إلى أثره باستغراب، فلأول مرة لم يجب عليها بغلظته مثلما يفعل، ولكنها انتبهت إلى كلمته الأخيرة قبل أن يخرج وقالت بعدم تصديق: رسلان بذات نفسه نازل يعملي أكل؟! ده إيه اللي حصل في الدنيا؟! جايز يكون الكلام جاب معاه نتيجة وناوي يحنن قلبه عليّ ويطلق سراحي ويطلقني؟ جايز، مافيش حاجة بعيدة عن ربنا! ثم نظرت إلى المحلول بضيق وأغلقت عينيها لتستريح قليلاً.
في المساء، استيقظت مودة على صوت رسلان وهو يهتف عليها حتى تفيق. نظرت له بأعين ناعسة وقالت بتساؤل: خير، هو أنا لحقت أنام؟! تكلم بنبرة جادة وقال: قومي، الأكل جاهز. حملقت عيناها بعدم تصديق وقالت: أنت بتتكلم بجد؟! أشار بعينيه على الطاولة المتواجد عليها الطعام وقال: الأكل قصادك أهو، قومي يلا. نزعت المحلول من يدها وحاولت النهوض، لكنها شعرت بدوار في رأسها فأسندت سريعاً على رسلان. أسندها جيداً وساعدها على النهوض وتحرك معها باتجاه الأريكة وأجلسها عليها وابتعد عنها.
نظرت له باستغراب وقالت: أنت فيك حاجة غريبة النهاردة ولا أنا بيتهيألي؟! جلس على المقعد ووضع قدماً فوق الأخرى وظل صامتاً. حركت رأسها بتساؤل وقالت: خير، مش أخدة عليك كده، طمني عليك لتكون حرارتك مرتفعة ولا حاجة! ابتسم لها ابتسامة صغيرة وقال: تعرفي تأكلي الأكل ده كله وأنتِ ساكتة؟! رفعت إحدى حاجبيها وقالت بعدم تصديق: ده أنت بتعرف تبتسم كمان! ما شاء الله! متناولنيش تختبري صبري كتير، كلي وأنتِ ساكتة أحسنلك! أومأت برأسها بتوتر وبدأت تتناول الطعام في صمت تام، وبعد وقت أنهت الطعام المتواجد أمامها كله وأرجعت ظهرها للخلف وقالت:
الحمد لله. نظر لها نظرة مطولة وقال بتساؤل: للدرجة دي كنتِ جعانة؟! نظرت له بضيق وقالت: بقالي تلت أيام مأكلتش! هتبص ليا في الأكل ولا إيه؟! نهض من على مقعده وتحرك باتجاه الباب وقال: الباب مفتوح لو حابة تنزلي تحت. وهبط إلى الأسفل. نظرت له بعدم تصديق وقالت: لا بجد النهاردة فيه حاجة مش طبيعية! حاسة إنه هادي ووديع، ليكون ده الهدوء اللي بيسبق العاصفة؟! حركت رأسها بعدم فهم ونهضت من على الأريكة وهبطت إلى الأسفل. بحثت عنه فوجدته يجلس ببهو الفيلا، تحركت اتجاه وجلست بالمقعد المقابل له وقالت:
بما إنك هادي وطيب أوي النهاردة، ما تعمل معايا معروف وتطلقني خليني أرجع لحياتي الطبيعية؟ نظر لها بغضب وظل صامتاً. تكلمت مرة أخرى وقالت: مش خلاص خلصت انتقامك مني وعرفت إن أنا ماليش ذنب في موتها وأن ده عمرها وانتهى؟! طلقني بقى، أنا الشغل وحشني أوي! صر على أسنانه بغضب وقال: شيلي موضوع الطلاق ده من دماغك، ومافيش نزول لشغل تاني، فاهمة؟! زفرت بضيق وزمجرت بغضب وقالت: أيوه كده ارجع لطبيعتك، حمد الله على السلامة! ثم نهضت مرة أخرى وتحركت باتجاه الداخل وقالت:
أنا أطلع أوضتي تاني أحسن. لكنها وقفت بصدمة عندما سمعت صوته يقول لها: أنا عايز أعوض ابني اللي مات! استدارت له بعدم فهم وقالت بتساؤل: تعوضه إزاي؟! مش فاهمة! نهض من على مقعده واقترب منها ونظر في عينيه وقال: أعوضه منك أنتِ! مش أنتِ السبب في خسارته؟ يبقى أنتِ ملزومة تعوضيه وتجيبي واحد غيره! جحظت عيناها بصدمة والكلام وقف بحلقها، ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت… الجزء الرابع جحظت عيناها بصدمة والكلام وقف بحلقها، ابتلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مرتبك:
مـ.. مـ.. مش فاهمة برضه! أ أ أعوضك إزاي؟! اقترب إليها أكثر وأحاط خصرها بذراعيه ونظر في عينيه وقال: يعني أنتِ اللي تجيبيه، فيها إيه مش مفهومة دي؟! حملقت عيناها بصدمة وابتعدت عنه وقالت: أ أ أنت شكلك اتجننت! أ أ جيبه إزاي؟! مش فاهمة! مستحيل ده يحصل، مش هسمحلك تقرب مني وتلمسني! حرك رأسه بعدم اهتمام وقال: مش مهم رأيك، المهم أنا عايز إيه! وأنا قررت إنك هتجيبي ليا طفل بدل اللي قتلتيه! هدرت به بغضب وقالت:
قلتلك مقتلتوش! أنا ضحيت بيه عشان أنقذ الأم، أنت ليه مصمم تحملني الذنب؟! عمرهم هما الاتنين انتهى، أنا مالي بس؟! رد عليها بغضب وقال: النقاش انتهى، اطلعي جهزي نفسك يلا! حركت رأسها بالرفض وقالت: مستحيل ده يحصل يا رسلان! مش هسمحلك تقرب مني، عايز تجيب طفل روح هاته من أي واحدة تانية، إنما أنا متحلمش! أمسكها من ذراعها ونظر لها بغضب شديد وقال: أنتِ اللي قتلتيه وأنتِ اللي ملزومة تجيبي واحد غيره، انجري يلا اعملي اللي قلتلك عليه! ثم دفعها بقوة بعيداً عنه فسقطت على الأرض ونظرت له بكراهية شديدة وقالت:
هسلمك نفسي إزاي وأنا مش بطيقك؟! مش عايزة يكون فيه حاجة تربطني بيك، أنا كل اللي عايزاه تطلقني وأخلص من الكابوس ده بقى! مال بجسده ونظر في عينيه بغضب وقال: كلمة طلاق تمحيها من حياتك عشان أنا مش هطلقك يا مودة! هتطلعي من هنا على قبرك، يعني من الآخر: يا أنا يا الموت! ظلت تنظر في عينيه، ثم تكلمت بدموع وقالت: يبقى أختار الموت يا رسلان! أحسن مليون مرة من إني أبقى معاك وتلمسني! نظر لها بغضب وأومأ رأسه بتوعد وقال:
يبقى أنتِ اللي جبتيه لنفسك يا مودة!
وتحرك سريعاً من أمامها وغادر البيت وتركها. ظلت تنظر إلى أثره بدموع، ونهضت من على الأرض وصعدت إلى الغرفة وتمددت على السرير، وظلت تنظر إلى الأعلى وتفكر برسلان. ربما معه الحق فيما فعله معها.. تذكرت سعادة زوجته عندما كانت تذهب لها زيارات المتابعة وكيف كانت تتكلم عن حنيته وحبه لها وكيف كان سعيداً بحملها هذا، ورغم أنه لم يذهب معها زيارات الفحص بسبب انشغاله الدائم بأعماله إلا أنها كانت تتمنى أن تتقابل معه لتتعرف على هذا الشخص من كثرة كلام زوجته عنه. تنهدت بحزن وأزالت عبراتها من على وجنتيها ثم أغلقت عينيها وذهبت في سبات عميق.
مرت عدة أسابيع وأصبح الوضع أكثر تعقيداً من الأول. ظل رسلان يسهر بالخارج طيلة الليل ويعود عندما تشرق الشمس وينام طيلة النهار، لم يتكلم مع مودة نهائياً. شعرت بغضب من تجاهله لها، وحاولت مراراً وتكراراً أن تتحدث معه لكنه لم يجب عليها قط. وذات يوم، استيقظت على صوت رنين الجرس. نظرت بجوارها إلى رسلان النائم وزفرت بضيق، نهضت من على فراشها وهبطت إلى الأسفل وفتحت الباب فوجدته والدها. نظرت له بغضب شديد وقالت:

