
سمرا في قبضه الشيطان
الفصل العشرون و الأخير بعد مرور ما يقارب من شهر ..
بمشفى الأمراض النفسية ،،،
كانت جالسة بالحديقة لازالت جامده الملامح ، مُحدقة بنقطة ما بالفراغ .. لا تعي أي شيئاً حولها .
مدت يدها بهدوء لتسحب ذلك الوشاح علي كتفها و أغمضت عيناها بآسي لتنهمر العبرات الساخنة منهما و تحرق وجنتيها .. فرغم هدوءها الخارجي ، لكن لا أحد يعلم بتلك النيران التي تشتعل بداخلها و تدمرها .
…………………….
سمع الطبيب صوت طرقات على باب الغرفة ، فسمح للطارق بالدخول .. ليدخل ذلك الشاب قوي البنيه بعينيه البنية اللامعة و لحيته الخفيفة ، و لكن ذراعه مربوط أمام صدره من أصابة ما ، و توجه ليجلس قبالة الطبيب قائلاً بهدوء :” سمرا أخبارها أيه يا دكتور !؟”
خلع الطبيب نظارته الطبية و شبك أصابع يده معاً قائلاً بهدوء :” حضرتك عارف يا أستاذ عامر ..اللي مرت بيه صعب جداً .. و مش سهل إنها تقابل حد أو تشوف حد !”
صاح غاضباً :” حد مين يا دكتور .. أنا جوزها ..
و حضرتك مانعني إني أزورها و أتكلم معاها ، معناه أيه ده بقي !”
” لو سمحت يا عامر بيه .. أنا اللي فهمته منكوا إن أنت بالنسبالها ميت .. يعني هتبقي صدمة ليها إنها تشوفك ، غير صدمتها الأولي اصلاً .. أنا بقول نأجل موضوع زيارتك ده شويه .. حتى تكون هي استجابت للعلاج و بدأت تتكلم حتي .. عشان نعرفها كل حاجه بهدوء ”
” نأجل أيه تاني .. بقالي حوالي تلت أسابيع باجي و مش بقدر أقابلها !”
” العلاج النفسي بيطول مش من يوم و ليـ..
”
قاطعه غاضباً و هو يضرب بكفه السليم على المكتب :” و أنا مش هستني أكتر من كده .. دي مراتي و أنا هعرف أزاي أرجعها من تاني !”
و خرج من المكتب سريعاً ، و حاول الطبيب لحاقه حتى يمنعه . وصل عامر إلي الحديقة ليقف قبالتها ، ثم مال جالساً على ركبتيه ، و مد يده الحره ليمسك كفها بهدوء ناظراً إليها بشوقٍ قائلاً برحاء :” سمرا .. سمرا حبيبتي أنا عامر .. أنا مامتش و رجعتلك .. أرجعيلي أنتِ كمان خلينا نكمل حياتنا .. أنا بعشقك !”
مالت برأسها قليلاً و هى تحدق به لفتره قصيره ، بينما ظهر شبح أبتسامه على ثغره و هو يهتف بأمل :” أيوه يا سمرا .. أنا عامر حبيبك .. رجعت أهو !” عقدت حاجبيها و هي لازالت تنظر إليه ، و ما هي إلا لحظات حتي أدمعت عيناها من جديد ، و سحبت كفها من يده و وقفت لتتراجع عدة خطوات إلي الخلف .
وقف و هو عاقد حاجبيه هاتفاً بعدم فهم :” مالك يا سمرا .. أيه اللي حصل .. أنا عامر ماتخافيش مني !”
ظلت تتراجع و تهز رأسها بأستنكار و العبرات تنهمر من وجنتيها ، بينما توجه عامر ناحيتها بسرعه ، و أنفجرت هي باكيه لتطلق صرخه علي أثرها سقطت فاقده الوعي . جلس إلي جوارها و أحتضنها بذراعه السليم محاولاً أفاقتها و العبرات متجمعة بعينيه ، و أسرع الطبيب و الممرضين لمساعدتها ، و هتف الطبيب قائلاً :” مش قولتلك يا عامر باشا إنه مش سهل تتقبل الحقيقة دي !”
و أسرعوا بحملها على الناقل متوجهين بها إلي الداخل ، و لحقهم عامر إلي الداخل .
………………….
تعالت الطرقات على باب مكتب العقيد فاروق ، فسمح للطارق بالدخول ، ليدخل ذلك الرجل و يقف قبالته ، بينما نهض فاروق و أتجه ليقف قبالته متسائلاً :” لسه مافيش جديد يا منير !؟
هز منير رأسه يميناً و يساراً معلقاً بهدوء :” ماتخافش يا باشا .. القضية تهدي بس .. و أكيد هيظهر تاني .. و ساعتها مش هرحمه .. هجيبلك رقبته يا باشا !”
نفخ بضيق قائلاً :” شكل القضية مش راضية تخلص أصلاً ، و كيل النيابة اللي اسمه علاء لسه عنده أمل إنه يلاقي خيط يوصله لأي حاجه في القضية ..
مع إن كل اللي كانوا بيساعدوا شاهر ماتوا صافي .. و صاحبه حتى الحرس ، و شاهر نفسه مُختفي !”
تقوس فم منير بابتسامة ساخرة و هو يعلق بـ :” ماتخافش يا باشا .. يومين و يزهق من القضية دي و تتركن زيها زي غيرها .. و الموضوع يهدي ، و ساعتها أكيد شاهر هيظهر .. و بكده ييجي دورنا بقي !”
هز فاروق رأسه بالموافقة ، و أشار ناحية الباب قائلاً :” روح أنت دلوقت يا منير شوف شغلك !”
أبتسم منير و من ثم توجه إلي الخارج ، بينما توجه فاروق ليجلس على مقعده الخاص ، و ضم قبضتي يده معاً ليضعهم أسفل ذقنه ، و ضيق عينيه و هو يحدق بنقطة ما بالفراغ ، قائلاً بغضب مكبوت :” همـ,ـوت و أعرف خرجت أزاي من وسط النار يا شاهر .. بس صدقني .. مش هرحمك !
…………………….
بعد مرور يومان ،،، أسوان ،، خرج من بيتٍ قديم قبالة النيل مباشرةٍ ، مرتدياً بنطال من الجينز و تيشيرت بنصف كم ، و توجه ليجلس على حافة اليابسة و شمر بنطاله إلي منتصف ساقيه ، ليضعها بالماء ، و خلع نظارته و ظل ينظر بالنيل أمامه ، و أشعة الشمس الساخنة المنعكسة به ، و ظهر شبح ابتسامة على ثغره قائلاً بخفوت :” بقيت بحب أشوف المنظر ده لأنه بيفكرني بيكِ يا سمرا .. عارف إني ظلمتك كتير بس الأحسن ليا و ليكِ إني أختفي من حياتك .. أنا عشب شيطاني و لازم أختفي ..
يمكن لو ماكنتش سافرت كان زماني إنسان كويس و ماحصلش ده كله ، كنت هفضل عايش علي ذكراكِ يا نسرين و ماقبلتش سمرا .. بس أنتِ اللي حطمتيني .. اااه يا نسرين اه .. كنت فاكر إني بقربي من سمرا هحس بوجودك .. لكن تعبت أكتر لما لقيتني إني بتعذب بسمرا .. ماكنتش أعرف إني هحبها كده ، أو إني هحب بعدك !”
ثم مال بجسده للخلف لينام على الارضية الترابية ، و وضع ذراعيه أسفل رأسه ليتذكر إنه بعد أن أشعل النيران .. قرر الفرار ، الفرار نهائياً دون العودة .. فأسرع إلى النافذة بالغرفة ، و خرج منها ، و عن طريق السطح أستطاع القفز إلي السطح المجاور . أغمض عينيه بآسي لتنهمر العبرات علي وجنتيه ، و أخذ نفساً طويلاً ، ليزفره بهدوء ، ثم مد يده في جيب بنطاله ليخرج أحدي الصور ، و ظل ينظر إليها بأعين دامعه هاتفاً بحسره :” مكتوبلي أعيش طول حياتي متعذب .. وحشتيني أوي يا سمرا !”
وجد مم يضع يده علي كتفه ، فأنتفض جالساً و وضع الصورة بجيبه ، بينما جلس الرجل إلي جواره قائلاً بهدوء :” عامل أيه يا شاهر باشا ”
ضحك شاهر بسخرية معلقاً :” مش قولنا بلاش شاهر يا عماد ..
شاهر خلاص مات من اليوم اياه !”
ابتسم عماد و وضع كفه علي فخذ شاهر قائلاً بهدوء :” معاك حق يا … يا حازم بيه ، و بالمناسبة البطاقة الجديدة اللي طلبتها جاهزة ، و ماتفرقهاش عن الحقيقية ”
” تسلم يا عماد … مش عارف أقولك أيه و الله علي وقفتك جنبي دي ”
” أنا مهما عملت عمري ما ارد جمايلك يا باشا ، ده أنت اللي وقفت جنبي في الغربة و ساعدتني … و سيبنا من ده كله ، دي فلوسك مش فلوسي اللي كنت بتشيلها معايا كل اجازة تنزل ”
أبتسم بآسي معلقاً
:” كنت بعمل حسابي و كأني عارف إن هييجي اليوم و هيستغنوا عني و يحاولوا يتخلصوا مني ، بس الصراحة أنا اللي اختفيت من نفسي ، عاوز ابدأ من جديد و أنسي كل حاجة و أي حد و أنت الوحيد اللي ممكن أثق فيه ”
” أنا افديك برقبتي طبعاً ، و كل اللي قولتلي عليه اعتبره مات بينا ”
أخذ نفساً طويلاً و اشاح بوجهه بعيداً محدقاً بنقطة ما ، فتساءل عماد :” حبيتها !؟”
صمت قليلاً ثم فرك وجهه بكلتا يديه قائلاً :” مش عارف ..
بس محتاجها اوي ، كنت فاكر احتياجي ليها مجرد إنها تشبه نسرين .. بس اللي متأكد منه دلوقت إني محتاجها إنها سمرا ، البنت القوية اللي مهما حاولت اكسرها لكن هي زى ما هي بريئة ، طيبة .. بس مش من حقي خلاص إني أشوفها حتي ، عمرها ما هتسامحني على كل اللي عملته فيها و ..”
قاطعه عماد قائلاً :” لو تحب أنا ممكن أجيبهالك بنفسي ، و أطلب سماحها و ابدأ من جديد معاها و ..”
قاطعه شاهر بغضب :” لا لا ..
كفايه لحد هنا ، عمري ما هكون عايزها غصب ، أحسن حل أعمله ليها إني أسيبها في حالها .. أسيبها تعيش ، بس مش عارف هقدر عايش من غير ما أشوفها أزاي !”
صمت كلاهما للحظات ، ثم قطعه عماد متسائلاً بهدوء :” ناوي علي أيه يا صاحبي !؟”
نظر إليه شاهر بعدم فهم ، فتابع عماد :” أقصد يعني ناوي تسافر و لا تفضل هنا .. هتعمل أيه !؟”
” لسه ما قررتش لحد دلوقت ، بس أكيد مش هسافر دلوقت .. و مش عارف أعمل أيه بالفلوس الكتير اللي معايا .. سيبك بعدين هقرر ”
ثم صمت للحظات قبل أن تلمع عيناه بحزن متابعاً باشتياق :” بس سمرا وحشتني أوي ”
………………..
تكرر ذلك الحلم معها .. وجدت نفسها بذلك المكان المظلم من جديد ، و لكن لا تسمع أي شيء لا تلك الأصوات و لا الخطوات .. لا تسمع سوي الصمت .. يقطعه دقات قلبها المتسارعة و صوت أنفاسها اللاهثة .. و ظلت تتلفت حولها محاولة رؤية أي شيء لتركض ناحيته .. و فجاءه أضاء المكان بأكمله .. لتجد نفسها بمكان أشبه بالصحراء و ألتفت للخلف لتجده يقف بعيداً عنها بمسافه .. بابتسامته التي عاهدتها ، فانفرجت أساريرها لترتسم البسمة علي ثغرها .. و تحركت شفتاها تهمس بـ :” عـ.. عامر ..!”

