
_ لم تهتز له خصله فهذا الهراء لا يعنيه وبفتورٍ أردف:- زين.. _ مر بجوارها دون إضافة المزيد فامتعضت هي لفعلته واستدارت بجسدها في نفس اتجاهه وسألته بتجهم:- أفهم أني إيه من زين ديي _ أجابها وهو يُكمل صعوده للأدراج:- رايداني أجول إيه عاد؟ _ تقدمت نحوه وقالت وهي تسير خلفه:- تجولي هتطلب يدها من بوها ميتي؟ _ أخذ طاهر شهيقاً عميقا وأخرجه بصوت مسموع:- أوف _ وقف أمام باب غرفته وحرك رأسه لليسار قليلاً حيث تقف صباح وأردف على مضضٍ:-
بكرة اروح له.. _ أنهى جملته ثم اختفي خلف الباب وهو لا يرضي ما ينوي على فعله لكنها الطريقة الوحيدة التي سينسي بها ورد، في الخارج توجهت صباح إلى غرفتها وهي تتغنج بجسدها فرحاً لدهائها التي أوصلها إلى تلك النقطة. ______________________________________ _ عوداً حميداً مع فزوغ الفجر، ركن سيارة العمل الربع نقل جانباً ثم ترجل منها وهو لا يرى أمامه فاليوم كان شاقاً وثقيل للغاية كثقله من كل أسبوع. _ رفع عينيه تلقائياً على شرفتها فتفاجئ برأسها التي تستند بها علة حافة السور، عقد حاجبيه متعجباً لتصرفها الأرعن، أسرع خطاه نحوها ونادى عليها بنبرة خافتة يجذب انتباهها له:-
ورد يا ورد _ لا يريد أن يصدق حدسه الذي يخبره بأنها غافية، لم يتوقف مكانه لحظة وركض مهرولاً إلى الأعلى حيث غرفتها التي اقتحمها دون سابق إنذار، وكما توقع تماماً أنها غافية على سور الشرفة، حرك رأسه باستنكار واقترب منها دون تردد _ خبط برفق على كتفها مع ندائه المتكرر الخافت لكي لا يتسبب في فزعها:- ورد جومي اصحي.. _ مع تكراره لنطق إسمها الذي تردد داخل عقلها فانتفضت هي بذعر إثره ورددت بتعلثم:-
هاا، أنت جيت _ خفق قلب مصطفى بشدة حين رأى ذعرها ورجفة جسدها المتسبب بهما، حاول تهدئة روعها بكلماته الرقيقة:- اهدي أيوة جيت.. _ ساعدها على الدخول إلي الغرفة وأجلسها على الفراش ثم أحضر لها كوب من الماء ترتشفه ليهدئ من روعها، لم يصبر وألقى بسؤاله معاتباً:- كيف تغفي على السور أكده ممكن لاجدر الله تجعي _ أجابته بنعاس مسيطر عليها:- اتأخرت الليلة فكنت بستنظر رجوعك _ شعر بتأنيب الضمير تجاهها فلماذا لم يخبرها بتأخره اليوم؟
هو لم يكن لديه علم بانتظارها لعودته فلا إثم عليه، تنهد بعد برهة من الصمت وأردف:- بتأخر النهاردة عشان بجبض الفلاحين _ أماءت له برأسها فهي على علم بذلك، وضعت الكوب بجوارها أعلى الكومود ونهضت من على الفراش ووقفت مقابله فأسبق هو بالحديث يريد إنهاء الحوار معها:- ابجي نامي أنتِ وملكيش صالح برجوعي لأن مواعيدي مش ثابتة _ اقتربت بخطاها أكثر منها فشعرت بأنفاسه الحارة التي يحاول حشرها داخله كلما اقتربت منه، ثبتت قدمها على الأرض وأردفت برقة مبالغة تعكس مشاعرها التي تكُمن بداخلها:-
مبيرفش ليا جفن جبل ما اطمن عليك! _ رباه!! على تلك النبرة التي همست بها كلماتها التي فاجئته، لم يكف قلبه عن التسارع والتخبط بين نبضاته التي حتماً ستفضح أمره أمامها. _ يريد الفرار من أمامها لكن زروقاتها تجذبه إليه كأن بهما سحراً لا يعرف كيفية إبطال أثره، فالوضع يزداد سوءاً فسودتاه لا تكتفي بالنظر إلى عينيها، لقد أخفض بصره على برقوقتيها بعد أن تفحص معالم وجهها باهتمام. _ شفتيها تحثه على التودد معها أكثر كأنهما يناديان غريزته التي بحاجة إلى الإرتواء، لم يقاوم جوارحه التي لبت ندائها برحب ووتلمس وجهها بأنامله، أنخفض قليلاً وملس على ترقوتيها بنعومة.
_ ابتلع ريقه في محاولة بحثه عن ثباته الداخلي لكن أي ثبات سيتحلى به أمام جمالها الخلاق، خارت قواه تماماً وضعفت نفسه فتودد لها أكثر شاعراً بحرارة أنفاسها التي تضرب وجهه دون رأفة. _ بنبرة خافتة قشعر لها بدنها همس:- يتبع… الحلقة الثانية عشر ( إعتراف )
______________________________________
”تصبحي على خير يا ورد”
_ هذا ما همس به مصطفى بجانب أذنها، أي خير يتمناه لها بعد أن أنهى بجملته أي سُبل للوصول إليها، تراجعت للخلف قليلاً لكي تري ملامحه جيداً وتشتشف ما إن كان يمازحها أم يحـ,ـادثها بجدية
_ أولاها مصطفى ظهره سريعاً فلن يقدر على مواجهة زرقاوتاها التي تعاتبه في صمت، أسرعت ورد بمسك ذراعه قبل أن يفر هارباً منها كما يفعل دوماً ثم توقفت أمامه فقطعت كل السُبل له في الخروج وأردفت متسائلة:-
كانك لسه معتبرني مرت خوك إياك!
_ انتظرت إجابته بفروغ صبر، نبضاتها تتحدث عن توجسها من سماع إجابته التي يمكن بأن لا ترضيها، ازدردت ريقها وهي تتابع حدتيه التي يطالعها بهما بوجه بارد يعكس نوياه السيئة اتجاها
_ بملامح جامدة أجابها بتجهم:-
عمري ما شوفتك غير مرت أخوي يا ورد رايدك تفهمي أكده عشان متصعبيش الأمور بيناتنا..
_ تلقت صفعة صادمة بحديثه الذي لم يرأف بمشاعرها وهو يدلي به بكل برود، ارتخت قبضتها عن ذراعه فلم يتردد عن مغادرة الغرفة التي شُيدت بناء جدران سجنها بعدما هدمت ورد بعضاً منه على أملاً قد تبخر مع خروج كلمات مصطفى من فمه..
_ تعجبت من حزنها لرفضه لها على الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى، وضعت راحة يدها اليمني أعلى يسار صدرها وأخرجت زفيراً بطيئاً وهي تتسائل في نفسها ماذا يحدث هنا؟
_ لما كل ذلك الحزن التي تبدد داخله، يخفق قلبها ألماً وليس نبضاً، أمعقول أنها أحبته بتلك السرعة؟ كيف وهي لم تري سوى الرفض والنبذ الدائم منه!
_ تراجعت للخلف وهي على نفس وضعها حتى وصلت إلى الفراش التي اعتلته وظلت منكسة الرأس تتخبط بين عدة ذكريات تراودها لعقل الحجر ذاك، من بين الذكريات كانت إحداهما يوم زفافهم حين انسحبت من بين المعازيم بعدما كَثُرت وقاحتهم في الهمزات واللمازات ووقفت في إحدى نوافذ السرايا التي تطل على حديقتها ومنها رأته يرقص بعصاه بثباتٍ وثقة عمياء، تذكُر جيداً تلك الإبتسامة التي رُسمت على محياها رغماً عنها لاستيعاب عقلها أن تلك الجاذبية والوسامة الطاغية ستكون لها في النهاية، عجرفته التي يُعرف بها هي من نالت إعجابها وجذبتها إليه.
_ انتقلت إلى الذكري التالية في نفس اللحظة حين لمحتها أحد النساء وألقت عليها كلمة غير مفهومة لكنها استشفت سوء نيتها من خلف نظراتها، أرادت الهروب من السرايا بأكملها لكن أين المفر؟
_ حسناً ستختبئ برهة من الوقت في المبطخ بالتأكيد لن تزعجها إحداهن هناك، سارت بخطى مهرولة قاصدة المطبخ وهناك تلقت مفاجأة من العيار الثقيل وهو وجود مصطفى في تلك الأثناء، كانت المرة الأولى لها أن تقف أمامه بالحالة التي كانت عليها فشعرت بالارتباك يسيطر على خلاياها بسبب ذلك الوضع المُريب وخصيصاً أنه لم يخفض بصره من عليها وكأن لنظراته معانٍ يود الإفصاح عنها..

