
وليد: بعد الشر عليك يا صاحبي.
ثم توجه وليد سريعا نحو حياة التي كانت الى الان مذهولة من تلك الاحداث السريعة التي توالت عليها خلال الساعات الأخيرة, أخذ وليد العلبة القطيفة من يد مها وفتحها, وقد مدت حياة له يدها تلقائيا وهي تتحاشى النظر اليه لتنظر الى الارض, ثم جاء الدور عليها وقد أعطاها دبلته , فرفعت حياة نظرها اليه لترى في عينيه تعبير لم تفهمه ولم تحاول ان تفسره , ولكنها أخذت منه الدبلة ووضعتها في اصبعه في أسرع وقت أمكنها ذلك.
وفور انتهائها من ذلك سمعت صوته الساخر يقول لها: مبروك يا مدام وليد.
فردت بصوت خافت: الله يبارك فيك.
وبعد تقطيع التورتة جلس كل في مكانه يتسامرون , ولكن قطع عليهم الحديث حضور طفلين؛ ولد وبنت, في سن التاسعة تقريبا بدا من كثرة الشبه بينهما أنهما توأمان, وكان كل منهما يمسك بزهرة حمراء في يده, فقدمت البنت الصغيرة زهرتها لحياة وهي تقول بلهجتها الطفولية البريئة: مبروك يا طنط.
فقبلت حياة منها الوردة ثم قبلتها في خدها: الله يبارك فيكي يا حبيبتي عقبالك بقا.
وهنا تذمر وليد بطريقة طفولية محاولا تقليد الطفلة: ومفيش واحدة بقا عشان عمو؟ ماهو انا بردو العريس.
الطفلة: لا, ماهو كل واحد فيكم يمسكها شوية بقا.
وليد مدعيا الحزن: بقا كدة؟ طب انا بقا هاخد الوردة من أخوكي , وأهو راجل زي بردو.
ثم نظر الى الطفل وهو يسأله: مش الوردة دي بردو عشاني؟
فأجاب الطفل وهو يتحرك ناحية مريم: لا, الوردة دي عشان طنط الحلوة دي.
وليد وهو يضع يده على عينيه: يااااادي الكسفة.
أخذت مريم منه الوردة وهي تقول له باسمة: بس انا مش العروسة.
الطفل: مانا عارف, بس انتي جميلة أوي يا طنط, والمس قالتلنا في المدرسة ان الوردة رمز الجمال, يعني انتي شبه الوردة عشان كدة انا اديتهالك.
وبالفعل تورد خدي مريم من الخجل وهي تتمتم:
ميرسي يا حبيبي.
وهنا كان دور يوسف في التذمر بعد أن عاد الطفلان الى والديهما: شكلي كدة هبدأ أغير.
فنظرت له مريم بحيرة وعدم فهم, فأكمل يوسف بنبرة ساحرة: انتي مش ملاحظة ان دي تاني مرة النهاردة حد يشهدلك بالجمال؟!
صمتت مريم من شدة الخجل وهي تشعر بكل العيون التي على طاولة مسلطة عليها,وقد زادت حيرتها في أمر يوسف, فإن كان الجميع يرونها جميلة كما يقول فلم لا يرى هو ذلك؟ أم انه من كثرة الجميلات التي مررن في حياته لم يعد يستطيع أن يفرق بين الجمال الحقيقي والمزيف؟!
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
و في السيارة وهما عائدان الى المنزل, تناست مريم كل وقارها وتحفظها وهي تقول وتكاد تطير من الفرح: اليوم النهاردة كان حلو أوي, ميرسي أوي يا يوسف.
يوسف بنبرة رقيقة: بجد انبسطي؟
مريم: طبعا, انت باللي عملته دة , دخلت السعادة لقلوبنا كلنا.
يوسف بنبرة سمعتها مريم بالكاد: مش كلكم.
مريم: ليه بتقول كدة؟
يوسف:
أنا أدرى انسان بأخوية يا مريم, وبالرغم من كل محاولاته عشان يخبي اللي جواه قدامنا, بس انا قدرت الاحظ ان سعادته كانت ناقصة.
مريم بارتباك: تفتكر مثلا انه يكون حس انه اتسرع شوية؟
يوسف نافيا: لا.مش دة اللي أقصده, وليد طول عمره واثق من قراراته. دة غير انه فعلا بيحب حياة.
مريم: ودي بقا عرفتها ازاي؟
يوسف: مش بقولك انه أخوية وانا ادرى الناس بيه, ثم كمان الانسان اللي بيحب بتظهر لمعة معينة كدة في عنيه لما بيشوف اللي بيحبه واللمعة دي انا شفتها في عنين وليد وخصوصا النهاردة.
فسألته مريم وهي تحاول ان تظهر عدم مبالاتها بالأمر وهو ما كان عكس الواقع تماما: انت بتتكلم وكأنك جربت الحب دة قبل كدة.
فرد عليها يوسف بابتسامة مريرة: وانتي بتسأليني وكأني انسان ملوش قلب.
أرادت مريم الاحتجاج, ولكن قاطعها صوته الحازم: خلاص وصلنا.
فترجل يوسف من السيارة تاركا إياهاغير مباليا بأمر مريم التي مازالت جالسة بداخلها, وكأنه مرة واحدة قد تناسى كل قواعد الذوق التي كان يتبعها أمام الناس. فنزلت مريم من السيارة واتبعته الى الداخل لتجده على وشك الصعود الى غرفته فأوقفه صوتها: يوسف, انا أسفة.
يوسف وهو ينظر اليها مندهشا: على ايه؟
مريم:
يعني شكلي كدة تعديت حدودي في الكلام معاك, وما كنش ينفع اني أتدخل في خصوصياتك وأسألك سؤال زي دة.
فعدل يوسف عن قراره في الصعود الى غرفته, وغير وجهته ناحية مريم: وهو يسألها: مريم! انتي عندك كام سنة؟
عدم توقعها للسؤال ألجم لسانها عن الرد. فظلت تحملق فيه بدهشة, فأعاد يوسف على مسامعها السؤال مرة ثانية: ايه انتي ما سمعتنيش؟ بقولك عندك كام سنة.
مريم بتلقائية: حوالي 19 سنة. ليه؟
يوسف وهو يقترب منها أكثر:
يعني تقريبا انا عمري أد عمرك مرتين, عشان كدة بتمنى انك ما تكونيش بتعامليني كأب, لأني يا مريم أنا عمري ما هفكر اني أكون أب ليكي.
مريم وهي تبتلع ريقها بصعوبة: انا عمري ما فكرت فيك كأب.
فأكمل يوسف بنبرة حزينة: ولا حتى كزوج, مش كدة؟ ودة بقا يا مريم اللي مخليني اسأل انا ابقا ايه بالنسبالك؟
لم تعرف مريم بم تجيب؟ فانها لم تتوقف لحظة لتسأل نفسها هذا السؤال, لذلك كانت تحتاج الى أن تنفرد بنفسها قليلا لتحلل علاقتها بيوسف, وعندما طال صمتها, ابتعد يوسف عنها سريعا وهو يستأنف الصعود ناحية حجرة نومه ويقول لها بلهجة جامدة:
تصبحي على خير.
وفي تلك اللحظة شعرت مريم بالدموع الحارة التي تتساقط من عينيها بدون أن تعلم لها سبب.
_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _
أما في الجهة الأخرى وبعد ان قام وليد بتوصيل أهل عروسه الى شقتهم استأذن من محمود أنه سيأخذ حياة في جولة بسيارته لبعض الوقت, فوافق محمود بشرط ان يعيدها الى المنزل سريعا وألا يبقيها في الخارج لوقت متأخر.
وبعد ان وصلا الى كونيش النيل قرر وليد ان يترجلان من السيارة ويتمشيان قليلا متعللا بأن انتعاش الجو تسمح بذلك, فوافقت حياة بصمت, وبينما وهما يتمشيان جنبا الى جنب دون أن يتفوه أي منهما بكلمة, توقف وليد فجأة وهو يستند على سور الكورنيش بمكان شبه خال ناظرا الى الأفق, ووقفت حياة تراقبه لفترة طويلة ظنت أن لا نهاية لها, الى ان أتاها صوته العميق دون أن ينظر اليها: اسمه ايه يا حياة؟
حياة وهي تحاول ان تتأكد من أنها قد سمعته جيدا: نعم!
فأعاد وليد السؤال بنبرة أقوى: بقولك اسمه ايه؟
فسألته حياة وكانت لم تعرف عمن يتحدث:
هو مين دة؟
وليد: اللي………..
ثم توقف للحظات وكأنه يبحث عن التعبير المناسب لما يقصده, الا ان قرر ان يصوغ سؤاله بشكل آخر: مريم لما قالتلي ع الحقيقة تقريبا قالتلي كل حاجة بس ما قالتش اسم الشخص دة ايه؟
أخيرا فهمت حياة مقصده وشعرت بأنها على وشك البكاء وهي تسأله: ودة يهمك في ايه؟
فأدار لها وليد وجهه وكأنه يستغرب سؤالها: والمفروض ان دي حاجة ما تهمنيش؟!

