
وهنا هتفت نورا فجأة بانتصار وكأنها عثرت على كنز ثمين: وجدتها.
فوضعت سلمى يدها على أذنيها بهدف الحماية من صوت نورا العال والذي كان يمتاز بحدته: يا بنتي حرام عليكي, هتضيعي طبلة ودني.
فابتسمت حياة رغما عنها وهي تتطلع الى نورا لتسألها: هي ايه اللي وجدتيها دي بقا يا ست نورا؟
فصاحت نورا مرة أخرى متناسية تحذير سلمى منذ قليل: البطل طبعا.
وما كان من سلمى إلا أن ازاحتها بغيظ لتتحرك الى الناحية الأخرى وهي تقول لها متوعدة: امشي من جنبي يا بت, والمرة الجاية ان عليتي صوتك بالشكل دة تاني والنعمة لأض*ربك.
فنهرتها حياة بلطف:
احنا قلنا ايه؟ مش قلنا مفيش حلفان بغير الله؟
فقالت سلمى بأسف سريعا: اه صحيح. استغفر الله العظيم, ثم سألت نورا بسخرية واضحة: قوليلنا بقا يا ست هانم مين هو؟
فقالت نورا بطريقة مستفذة متصنعة البراءة: اه, نسيت,
فتجهم وجه سلمى وهي تستعد للانقضاض على نورا: سيبوني عليها.
فأمسكت كل من حياة ومريم بسلمى لايقافها ووضعت نورا يديها على وجهها بشكل دفاعي وهي تقول: خلاص. هقول هقول. ايه رأيكم في أستاذ خالد صلاح المعيد بتاعنا؟
خيم الصمت قليلا على الجميع الى أن قالت سلمى: استاذ خالد؟ واشمعنا يعني.
أخذت نورا توضح لهم أسباب اختيارها وهي تقول بشكل عملي: أولا المفروض ان فيه أغنيتين في المسرحية واستاذ خالد لما غنى في حفلة السنة اللي فاتت كان صوته رائع وكلنا متفقين على كدة, وثانيا مفتكرش ان فيه أي اختلاف على انه انسان كويس ومحترم ودي المواصفات اللي احنا عاوزينها في الشاب اللي هيشتغل معانا.
فقالت حياة وقد بدا عليها الاقتناع: طب وانتي ايه عرفك انه ممكن يوافق؟ وكمان مش شرط انه عشان صوته حلو وبيغني يبقا كمان بيعرف يمثل.
تولت سلمى الرد على كلام حياة:
انا من رأيي اننا نعرض علية الموضوع الاول ونشوف رأيه وبعدين أي حاجة تانية ممكن تتحل.
هالة: ومين بقا اللي هتكلمه؟
فنظرت كل طالبة الى زميلتها في حيرة أما سلمى فأجابت ببساطة: ودي محتاجة سؤال؟ صاحبة الفكرة طبعا. الانسة نورا.
فأسرعت نورا بالاحتجاج: انا؟ لالالالا. مش ممكن طبعا, خلي مريم هي اللي تكلمه.
مريم مستفسرة: واشمعنا انا بقى؟
نورا: عشان انتي يا مريم مفيش أي راجل يقدر يرفضلك طلب سواء كان طالب أو دكتور. دة كفاية العيون الدبلي دول.
مريم: لا يا ستي أنا اصلا معرفوش.
وهنا أرادت حياة أن توقع سلمى في الفخ كما عملت هي منذ قليل وهي تتمثل البراءة: والله انا من رأيي ان دي أصلا مهمة المخرج.
فاتجهت الانظار ناحية سلمى التي تعلقت عيناها بوجه سلمى وكانت تتقد نارا وهي تسمع تأييد الجميع لرأي حياة التي أخرجت لها لسانها لتغيظها أكثر.
وما كان من سلمى الا ان استسلمت لرأي الجميع: ماشي . خلاص, انا هكلمه بكرة ان شاء الله.
وهنا نظرت سلمى الى ساعة يدها, ثم قالت: طب يا جماعة همشي انا بقا عشان اتأخرت.
فقالت مريم هي الأخرى: وانا كمان , نشوفكم بكرة بقا بإذن الله.
وكان لابد للمخرج بأن يلقي بتعليماته الأخيرة لذلك قالت سلمى: اوك يا بنات, يبقا التجمع هيكون بكرة ان شاء الله الساعة تسعة الصبح, ومش عاوزة أي تأخير.
فأجاب الجميع: أوك يا boss.
وذهبت كل منهما الى منزلها, وكالعادة قد ركبت حياة في سيارة مريم لتقوم بتوصيلها, وما ان اقتربت من البناية حتى لمحت سيارة زوجها وسيارة وليد تصطفان بين السيارات, فعلت الدهشة وجهها وهي تتساءل: ايه اللي جاب عربية يوسف و وليد هنا؟ معقول يكونوا عندكم يا حياة؟
فقالت حياة في شك: جايز, تعالي نشوفهم, وأهو بالمرة تسلمي على ماما دي بتسأل عليكي كتير أوي.
فقالت مريم موافقة: وهي كمان وحشتني أوي, ثم قالت للسائق: استناني شوية يا عم توفيق.
فهز توفيق رأسه وهو يقول: اوامرك يا ست هانم.
ثم صعدت حياة الى شقتها وهي بصحبة مريم, و ضغطت حياة على جرس الباب وهي تأبى ان ترفع يدها من على الجرس, فظهرت مها بالداخل وهي تتجه ناحية الباب متضايقة من صوت الجرس الذي يرن دون انقطاع: حاضر حاضر, ما تشيل ايدك عن الجرس ياللي برة.
وما ان فتحت الباب حتى طبعت حياة قبلة سريعة على خدها وهي تقول بمرح: السلام عليكم, ازيك يا ست الكل.
فردت مها بغيظ:
والله كان قلبي حاسس انك انتي اللي بترني الجرس, اصل مفيش حد بيعمل امور العيال دي غيرك.
فتصنعت حياة الحزن وهي تقول: بقا كدة يا ست ماما؟ طب الله يسامحك.
مها: يارب ياختي.
وهمت مها ان تغلق الباب خلف حياة التي منعتها سريعا وهي تقول: استني يا ماما, مريم برة.
ثم خرجت سريعا لتسحب مريم من يدها فرحبت بها مها كثيرا , ثم تساءلت حياة وهي تهمس بالقرب من اذن مها وعينيها تتجه ناحية حجرة الصالون المغلقة وتستمع الى اصوات الرجال المنخفضة التي تنبعث منها: الا قوليلي يا ماما هو احنا عندنا ضيوف؟
فردت مها:
ايوة يا ستي دة الباشمهندس وليد و أخوه الباشمهندس يوسف جايين يتفقوا مع باباكي على الشبكة والمؤخر والفرح وكل حاجة.
ظهرت مسحة حزن على وجه حياة سريعا ما استطاعت اخفائها وهي تسأل والدتها بابتسامة باهتة: طيب احنا ممكن ندخلهم ولا لا؟
مها: معرفش, بس خبطي ع الباب شوفي باباكي ممكن يسمحلك ولا لا عقبال مانا أعمل القهوة.
حياة: اوك يا ماما.
ثم سحبت مريم من يدها مرة اخرى وطرقت باب الصالون فجاءها صوت والدها من الداخل: ادخلي يا أم كريم.
فتحت حياة الباب وهي تقول بشكل فكاهي: طب ولو أخت كريم؟ تدخل ولا لا؟
فافتر ثغر محمود بابتسامة حانية: تعالي يا حياة.
حياة: السلام عليكم.
فرد الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
محمود: ادخلي يا حياة. عاوزك.
حياة: بس انا معايا ضيفة يا بابا.
محمود: اهلا وسهلا بالضيفة, خلاص خديها وادخلو اوضتك.
حياة وهي تشير الى يوسف: بس هي عاوزة تقابل الباشمهندس.
فنظر لها يوسف مستفهما فابتسمت حياة باستحياء وخرجت سريعا وسرعان ما عادت وهي تدفع مريم أمامها, التي شعرت بالحمرة تغزو وجهها وهي تقول بنبرة منخفضة: السلام عليكم.
الجميع: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
محمود: اهلا وسهلا يا بنتي اتفضلي.
وقد وفرت حياة حيرة الاختيار على مريم حيث جلست على الكرسي الوحيد الفارغ بالحجرة مما أرغم مريم على الجلوس بجوار يوسف الذي رمقها بنظرة جانبية وهو يسألها: خير يا مريم؟ فيه حاجة حصلت؟
اضطربت مريم كثير وهي تقول بنبرة دفاعية: لا ابدا, دة انا كنت بوصل حياة فشفت عربيتك وعربية وليد تحت فتوقعنا انكم هنا وحياة اصرت اني اطلع معاها.
فسأل وليد بعد ان القى نظرة سريعة الى ساعة يده ثم رفع عينيه ناحية حياة: وكنتو فين لحد دلوقت؟
ولأنها رأت نظرة اتهام في عينيه آثرت حياة الصمت حتى لا تخرج عن شعورها وترد على اتهامه بكلام جارح سيدخل الشكوك في نفس والدها, لذا تولت مريم الرد بالنيابة عنها: احنا كنا في الجامعة أصلنا بنجهز لمسرحية هنقدمها في حفلة بداية السنة الجديدة ان شاء الله وحياة هتكون البطلة فيها.
وليد بشكل ساخر لم يدركه سوى مريم وحياة: ممثلة؟ اراهن انك هتنجحي و بتفوق كمان.
وهنا سأل يوسف مريم وهو يمسك يدها بحنان: وانتي بقا يا حبيبتي ايه الدور اللي هتعمليه؟
هزتها كلمة حبيبة التي خرجت من فمه وشعرت بقشعريرة خفيفة اثر لمسته ولكنه أخرجت نفسها سريعا من تلك الحالة وعزت تلك الأفعال لوجود أناس معهم بنفس الحجرة وقد كانت تعلم ان يوسف حريص بدرجة كبيرة على الشكل الاجتماعي و تهدج صوتها وهي تجيب وتسحب يدها برفق من يده: لا, انا مش بعرف أمثل انا هتولى مسئولية الديكور اصلي أعرف شوية حاجات كدة خاصة بالموضوع دة اتعلمتها من ماما ماهي مهندسة ديكور.
رأت تقطيبة صغيرة تعلو جبينه وهو يقول: اه ,عارف.
وهنا تحدث محمود أخيرا ليسأل وليد: فيه حاجة تانية كنت عاوز تقولها يا باشمهندس؟
وليد:
أيوة, انا كنت عاوز احدد ميعاد الفرح, وكنت حابب أخليه بعد أسبوعين.
وقعت المفاجأة عليها وكأنها صفعة تلقتها على خدها هكذا شعرت حياة جراء طلب وليد المفاجىء, ولكن والدها هو الذي تحدث ليقول وقد بدت عليه الدهشة أيضا من ذلك الاستعجال الذي لا يدري له سببا: بسرعة كدة! بس احنا مش هنلحق نجهز حاجة يا باشمهندس.
وليد: يا عمي انا مش عاوز اي حاجة, انا شقتي كلها اسبوع وهستلمها متشطبة ومفروشة ومش ناقصها أي حاجة, وكدة كدة كنت ناوي انقل فيها بعد ما تخلص وبما اني خلاص خطبت فنفسي اول مرة ادخل الشقة تكون معايا مراتي, قلت ايه بقا؟
و هذه المرة كان الرد من نصيب مها التي دخلت للتو وهي تحمل صينيه عليها المشروبات: ودة يصح بردو يا باشمهندس؟ ازاي بنتنا تدخل من غير ما نجهزها؟
وبعد ان قدمت المشروبات سريعا وقفت لها حياة لتجلس مكانها بينما جلست حياة بجانبها على مسند الكرسي, وردا على سؤالها قال وليد: مانا زي ما قلت لعمي اني شقتي جاهزة وأول ما استلمها هديكم مفتاح ليها تروحوها ولو فيه حاجة مش عجبتكم قولولي وانا أغيرها.
مها:
بس يا باشمهندس دي أصول وابو كريم من أول ما حياة اتولدت وهو بيشيل فلوس لجهازها وبنحلم باليوم اللي هنشورها فيه, يبقا ازاي بقا اللي انت بتقوله دة؟
وليد: حضرتك مفيش اي مشكلة خالص, الفلوس اللي انتو كنتو شايلينها للجهاز حطوها في البنك باسمها وهتبقا هي هي وانا عن نفسي هحطلها خمسين ألف جنيه مهر باسمها في البنك وهنشتري بزيهم شبكة. الحقيقة انا عارف انه مبلغ قليل أوي بس انا رغم اصرار يوسف قررت اني أبدأ حياتي بنفسي بعيد عن الميراث اللي سابه بابا الله يرحمه لينا.
محمود: الله يرحمه يابني.
ثم نظر الى حياة:
وانتي ايه رأيك يا حياة؟
شعرت حياة بأن وليد يحاول ان يشتريها بأمواله لذلك يرفض أن يساهم أهلها في تجهيزات الزواج. وأخذت تتذكر تلك المواقف التي جمعتهما سويا قبل علمه بحقيقة ماضيها وتذكرت كيف كان يكن لها كل ود واحترام حتى عندما كان ينظر اليها كانت نظراته خجولة وان كانت مملوءة بالشوق, اين تلك النظرات مما تراه الان في عينيه من احتقار و جرأة وعبث؟ فهل هي حقا سقطت من عينيه؟ اذن فلم يصر على زواجه منها وبتلك السرعة؟
نعم لقد تذكرت الأن ما قاله لها منذ يومين في الحديقة فإنه يريدها ولا يبالي بالطريقة التي سيستخدمها للحصول عليها حتى وان كانت الزواج.
أفاقت حياة على صوت أبيها: حياة؟ مالك يا بنتي ساكتة ليه؟ انتي ايه رأيك في الكلام اللي قاله الباشمهندس؟
حياة وقد ظهر على وجهها قلة الحيلة: اللي تشوفو يا بابا.
فقال محمود: اذا كان كدة يبقا ماشي يا باشمهندس.
وليد: كدة يبقا مش فاضل غير حاجة واحدة.
محمود: ايه هي يا ترى؟
وليد:
الفرح , انا هعمله في أي قاعة هنا انتو تختاروها, بصراحة كان نفسي يتعمل في البلد لكن نظرا لبعض الخلافات العائلية هنعمله هنا.
فقال محمود موافقا على كلامه: انا بردو كنت هقولك كدة يا باشمهندس, احنا كمان مش عاوزين الفرح يتم في البلد, وخصوصا اننا رفضنا ابن عمها ودة هيخلي العيلة كلها ضدنا.
وليد: يبقا نقرأ الفاتحة دلوقت يا عمي وبكرة ان شاء الله هاخد حياة ومدام مها عشان نشتري الشبكة.
محمود: ماشي يابني اللي تشوفه. نقرأ الفاتحة.

