ست الحسن ريناد يوسف

الصفحة السابقةانت في الصفحة 1 من 4 صفحات

«بت يا حسنة! أنتِ يا بت، قومي فزي عشان تعجني وتخبزي، ولا عايزة تقعدي نايمة للضهاري وتصحي بعد طلوع الشمس؟» حسنة: «إيوه يا حماتي، أني جاية أهو. أني صاحية من حالي، بس كنت برتب الغرفة وأهويها قبل ما أنزل، عشان لما أعاودلها آخر النهار تكون نضيفة ومتهوية.» عنبر: «هملي الغرفة دلوك وهمي على شغل البيت! الأول خلصي بدال ما أجي أشوحك من فوق وأخليكي تبطلي الكسل اللي أنتِ فيه ديه! حريم آخر زمن، عايزة تأكل وتنام وما تعملش حاجة. أني نازلة وابص ألاقيكي نازلة وراي طوالي!»

حسنة هملت اللي فيدها ونزلت طوالي، وهي عتقول لحالها: «يا ربي! يعني كل يوم الواحد يصحى على العركة داي؟ مفيش يوم الواحد يأخده إجازة من المشاكل؟ مفيش غير حسنة في المخروب ديه؟ ما معاها بناتها مستتاهم، ومرت ولدها الثاني عتسيبها تنام براحتها. ولا أكمني أني مرت الصغير، يعني أشيل البيت كله فوق دماغي؟» عنبر: «همي يلا! مالك قالبة خلقتك إكده عالصبح ليه وعتبرطمي مع روحك؟ ليكون معاجبكش الحديث؟» حسنة: «وهو أني قلت حاجة يا حماتي؟ ما ني نازلة أهه وهعمل اللي عتقولي عليه.»

عنبر: «غصب عنك ترضي! روحي يلا اغسلي إديكي وانزلي فماجور العجين، وكثري الخبزة، عشان بتي ورد بعافية النهاردة وباعتة عايزالها كام بتاوة طرية لعيالها.» حسنة: «حاضر.» شوية وباب أوضة غنيمة (مرت رضوان الابن الكبير) اتفتح، وطلعت منيه غنيمة تتاوب. غنيمة: «إصباح الخير عليكم! إيه يا حماتي الدوشة داي عالصبح؟ وأنتِ يا حسنة، ما تعرفيش تعملي الحاجة من سكات إلا ما تطلعي حس حماتك وتتعبيها؟» عنبر: «أهه! أديكم سامعين بودنكم وجع القلب اللي أني فيه، عشان لما ياجي عواد جوزها تحكوله إنها مطلعة حسي.. أني مش هتحدث!»

غنيمة: «ولا نقولوا ولا نعيدوا! اللي تقدر عليه تعمل، واللي ما تقدرش تهمله، دي المروة ما تتدبرش والصحة عتروح سوا الواحد عمل ولا ما عملش. أني رايحة بيت أبوي النهاردة يا حماتي، أمي عيانة وهاروح أقعد معاها اليوم كله، أصل زي ما أنتِ عارفة، حريم الولد ما عيسدوش مع حماتهم، ومحدش عيشيل الأم غير بناتها!» عنبر: «واجب يا بنيتي، أمال إيه؟ روحي، داي أمك، والأم ما يتمنعوشي منها.»

حسنة كانت ابتدت تعجن وقاعدة تستمع ليهم، وهي عتتعجب في سرها على المعاملة المختلفة، وعلى التفرقة اللي دايماً عاملاها حماتها بينها وبين سلفتها، وكمان كلمة غنيمة «إن محدش عيشيل الواحدة غير بناتها».. طيب فين بنات حماتها وشيلهم لأمهم ولا لنفسهم حتى؟ دول راميين الحمل كله على حسنة والكل مستت على قفاها. وبصت لحماتها بعتب وما تحدثتش.

فحماتها فهمت بصتها وردت عليها: «داي مرت الكبير، ويحق لها اللي ما يحقش لغيرها! وأصغر القوم خادمهم، والكل عارف الكلام ديه. يعني البيت كله عليكِ أنتِ عشان أنتِ الصغيرة.. أنتِ الشديدة اللي عضمك ناشف وما عتخلفيش ومفيش عيل هد حيلك، سلفتك عيالها -الله أكبر- هدوا حيلها! وبعدين أنتِ غايرة منها عشان رايحة بيت أهلها؟ طيب ما أنتِ ما حداكيش أهل تروحيلهم، مقطوعة من شجرة! ستك اللي ليكي وماتت.. ليكي مين تروحيله ولا ياجي عليكِ؟»

حسنة اتوجعت من الكلام، وردت عليها وهي كتمة دمعتها: «طيب وليه كل الكلام ديه يا حماتي؟ هو أني اتكلمت ولا نطقت بحرف حتى؟ ما ني ساكتة أهه وما عنطوقش! عارفة إن أني ما مخلفش، وعارفة إن أني يتيمة وماليش حد في الدنيا، وعارفة إن أني خدامة البيت ديه ومأليش أي حق فيه كيف باقي سكانه.. ملوش لزوم سم البدن كل هبابة!» عنبر: «عفكرك عشان ما تنسيش، ولا تفكري تعاندي فغيرك.. عفكرك إنك ناقصة، والناقص ما ليهش حقوق! وعايزة أفكرك كمان إن بعد ما نبيعوا محصول القطن، هجوز عواد ولدي عشان يلحق يجيبله واد يشيل اسمه.»

حسنة: «جوزيه يا حماتي.. جوزيه وخليه يجيب الواد اللي نفسكم فيه! اللي يلد عليكِ اعمليه، أنا قافلة خشمي أهه وما تحدثتش ولا هتحدث.» عنبر: «ومالك إكده عتقوليها من غير نفس، كأنك ما عوزاهاش؟ ديه بدال ما تطلعي أنتِ تدوري لجوزك على عروسة حلوة وصغيرة وتنقيها ولادة كيف أمها، وتفرحيه بيها وتخليه يشيلها لك جميلة؟»

حسنة اتنهدت وما ردتش وهي عاجزة عن إنها تستوعب تفكير حماتها وكلامها ليها، وعمالة تسأل نفسها: «كيف حد تكون جواه كل القسوة داي؟ وخصوصي لو كانت مرة زيها، والمفروض تكون خابرة زين إن الضرة عتكيد وجواز الجوز على مرته واعر!» لكن رجعت افتكرت إن حماتها لا عتحس ولا عتمايز كيف باقي البشر عشان تستغرب من عمايلها. فعاودت تفش غلها في العجين وتخبط فيه وهي متخيلاه حماتها قدامها، ونازلة فيها خبط وعجن لما سوتها على كل جنب وخلصت منيها القديم والجديد كله.

خلصت خبيز، وبعدها مسكت المقشة وكنست البيت كله، وعلقت على الطبيخ. وكل ديه عملته لوحدها من غير ما واحدة من أخوات جوزها الاثنين تساعدها في أي حاجة، كيف ما تكون الخدامة بتاعتهم وهما الهوانم! وكل اللي عملوه إنهم طلعوا من أوضهم على ميعاد الأكل بعد ما عرفوا إنه طاب، وإن الخبيز اتخبز، والبيت اتكنس، وكل الخدمة اتخدمت ومفيش حاجة تتعمل. عاود جوز حسنة من الغيط بعد يوم شقى، حضرت له الغدا وقعدت تتغدا معاه. عواد: «مالك قالبة وشك إكده ليه؟ جرى إيه تاني؟ أمي برضك؟»

حسنة: «وهو فيه غيرها يعني يا عواد منغص عليَّ عيشتي؟ النهاردة قالت لي تاني إنها هتجوزك بعد بيع المحصول.. إلا صوح يا عواد، هتتجوز عليَّ وتجيب لي ضرة؟» عواد: «ما تبيعيهاشي! أني ما هتجوزش عليكِ واصل، ولا عايز عيال.. ده أنتِ اللي في القلب يا بت، وما بدلكش بعيال الدنيا كلها! أنتِ بتي ومرتي وحبيبتي وكل حاجة ليَّ، وعمري ما أفرط فيكي يا بت الأصول.» حسنة (بفرحة): «ربنا يخليك ليَّ يا غالي. أنت عارف إن أني ماليش غيرك في الدنيا دي يا عواد، لا ضهر ولا سند.. ولو هملتني ورحت لغيري توبقى عفصت على قلبي وكسرته ألف حتة!»

عواد: «ما عاش ولا كان اللي يمس على قلبك بضر يا لبّة قلبي! المهم قومي بينا يلا نطلعوا أوضتنا ونقعدوا لحالنا هبابة بعيد عن دوشة أمي، وما عاوزش كلامها يدايقك ولا تحطيه فبالك واصل. تسمعي من ودن وتفوتي من الثانية، والكلام عيفر في الهوا يا ستي ما عليزقش! ولو جابت قدامك سيرة الجواز، قولي لها: جوزي عيحبني وما هيجوزش عليَّ واااصل!» أما في دوار منصور: منصور: «يا عزام يا ولدي، اخزي الشيطان وبلاها نشفان دماغ، وروح هات مرتك من حدا بيت أهلها! البنية بقالها شهر بحاله، وأبوها اشتكى لطوب الأرض منك.»

عزام: «له، ما هجيبهاش وما عاوزهاش! خليها حدا أبوها عشان يعرف إنه ما رباش ولا أدب المرة اللي تطول لسانها على جوزها وتتطاول عليه وتهينه مرة واثنين وثلاثة، وتعايره بأهلها واللي حداهم واللي مش حداه.. دي مالهاش عيش فبيته! إيه ناقصني أني عشان كل هبابة تقول لي: كان نفسي تكون كيف أخوي عسران وحداك الخير اللي حداه؟ أرض وحداي بيت يرمح فيه الخيل، ومعيشها فيه.. فلوس ودهب، ومغرقها من ساسها لراسها، وملبسها اللي مفيش مرة في النجع لابساه.. عايزة إيه مني تاني؟»

منصور: «يا ولدي، عشان اللي فبطنها حتى! دي مرتك حبلة بعد سنتين بحالهم لف عالدكاترة، ومصدقنا إنها حبلت وهتجيب لي الحفيد اللي يفرحني. أنت وحيدي، وعايز أشيل عوضك قبل ما أمــ,,ـــــوت.. أني خايف من الزعل تجرالها حاجة ونخسر الواد اللي عنتمنوه من الدنيا وياكلنا الندم!»

عزام: «خلي اللي يجرا يجرا يا أبوي! وأمر الله نافذ، ولو ليَّ نصيب فيه هيقعد، ماليش.. خلاص! أني أصلاً ما فارقش معاي عيال، أني كل اللي عايزه مرة تمشي تحت طوعي وتقول لي نعم وحاضر.. مرة أعاود من بره ألاقيها عملالي لقمة بيدها ومستنياني، وتستقبلني بضحكة وكلمة حلوة، مش واحدة أول ما تشوف وشي كأنها شافت ملك المــ,,ـــــوت! وعمرها ما حطت يدها في الطبخ وكله على أمي، وياريت عاجبها في الآخر!

أني عغير كل ما أسمع صحابي يحكوا على حريمهم واللي عيعملوه ليهم، ديه حتى العمال اللي عيشتغلوا في الغيط حدانا عيقولوا أشعار فحريمهم، وأني بس اللي ربنا بلاني بوحدة حاطة مناخيرها في السما ومفيش على لسانها غير المقارنة بيني وبين أخوها وأبوها والناس، وتقول لي: شوف فلانة مرت فلان وشوف فلان جوز فلانة.. وما شايفانيش أني واصل! وكأني ماليش وجود ولا ليَّ عازة!» منصور اتنهد بقلة حيلة وسكت. عزام: «شايفك سكت يعني يا أبوي؟» منصور: «هقول إيه يعني يا ولدي؟»

عزام: «قول الحق يا أبوي! حكم ضميرك وحط حالك موطرحي، وشوف هترضاها على حالك ولا له؟ أني بشر يا أبوي وعندي إحساس، مش لوح خشب! وافتكر إن أني قلت لك من الأول: جمالات له، والكل عيقول عليها بت ما تتعاشرش.. وأنت اللي صممت رأيك عليها وقلت: بت صاحبي وأبوها راجل زين! عيملت إيه بابوها أني دلوك وبزينه؟ عايش معاي أبوها وواعي عمايل بته.. ربنا يسامحك يا أبوي على تصميمك وتمسكك برأيك! أديني عايش في نــ,,ـــــار ومحدش حاسس بيا، لا أبوها ولا حتى أنت!»

خلص حديثه وقام وهمل البيت وطلع يهرب من جمالات والحديث عنها. منصور بص لمرته (جواهر) اللي كانت قاعدة ساكتة وما نطقتش ولا كلمة من أول القعدة وسألها: «إيه رأيك فعمايل ولدك يا أم عزام؟ يرضيكي إنه يخرب بيته بيده؟»

جواهر: «هو خراب البيوت مش هين يا منصور، بس برضك مفيش واحد يقبل على كرامته إن مرته تقل منيه وتحسسه إن أبوها وأخوها أحسن منه! وولدي ما ناقصهوش حاجة عشان جمالات تعمل فيه إكده، وأني مش هاجي مع حد على ولدي واصل! أني ولدي أغلى حد عندي في الدنيا، ولاجل عيونه تغور ألف جمالات وتاجي الأحسن منها! وعشان تتربى وتعرف إن الله حق، أني هجوزه وهجيب له اللي تكسر شوكتها وتخليها تشوف بعينها إن ولدي يستاهل الأحسن منها!»

منصور: «ما تعينيهوش عالخراب يا جواهر!» جواهر: «عنصفه.. مش عنعينه عالخراب يا منصور! أني عايزة ولدي يرتاح، وراحته مش مع جمالات.» منصور: «اعملي اللي يلد عليكِ أنتِ وولدك.. هو أصلاً صاحب عمري وخسرته! صوح النسب عيخرب المعرفة وحتى القرابة.. أني مهملهالكم وماشي خالص.» في الغيط عند عواد: نعيم: «أيوه.. يعني هتعمل إيه دلوك يا عواد؟ هتتجوز ولا ما هتتجوزش؟»

عواد: «والله ما عارف يا نعيم ومحتار! من جيهة مرتي حسنة، لو لفيت الدنيا كلها ما هلاقيش ضفرها.. أدب وأخلاق وجمال وشايلاني على كفوف الراحة، وعتعمل كل جهدها عشان ترضيني وترضي أمي، وفوق دول ودول يتيمة وماليهاش حد في الدنيا غيري.. ومن جيهة ثانية، أمي نفسها تشوف لي عيل، وما كدبش عليك أني كمان نفسي أجيب اللي يشيل اسمي! ومحتار وما عارفش أرضي مين ولا مين!»

نعيم: «ارضي روحك في الأول يا صاحبي قبل أي حد! اتجوز وهات العيل اللي نفسك فيه، وحسنة مرتك -على قولك- ماليهاش حد غيرك ولا موطرح تروحه غير بيتك، وهترضى بالمكتوب وهتسكت. ويوبقا معاك مرتين والدلع يزيد، وبدال ما كفين شايلينك هيبقوا أربع كفوف! وهتوبقى كيف هارون الرشيد؛ داي تقولك نعم وداي تقولك حاضر، وتخلف الواد اللي نفسك فيه وترضي أمك، وتوبقى ضــ,,ـــــربت كل العصافير بحجر واحد!» عواد ابتسم وكيف ما يكون عجبه الكلام، ورد على نعيم: «ما أقول إلا قولك يا نعيم!»

وابتدأ يفكر في كلام نعيم وطول اليوم يقلبها فراسه لغاية ما اقتنع والفكرة عششت في نافوخه، وقرر إنه يلحق العمر قبل ما ينقضي ويجيب له واد قبل ما تأخده السنين ويندم ويطلع في الآخر من غير عزوة. ولو على حسنة.. أهي معاه هتروح فين؟ حسنة طيبة، هتزعل هبابة بس هتروق وترضى، ويعرف بعدين يخليها تقبل بالأمر الواقع، وكمان ماليهاش حد هيقول له ثلث الثلاثة كام، ولا حد يقفلها ويأخذها من عنده لو اعترضت على جوازه!

عند جمالات:

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى